علي الفاتح يكتب: القاهرة بكين.. وحصاد ثمار البنية الدبلوماسية والاقتصادية.
يجب التأكيد أن مصر لا تُناور بعلاقاتها الدولية، حيث تستدعي الصين وروسيا دون حاجة للتفاوض مع الولايات المتحدة، وتبرم اتفاقاتها بناءً على مصالحها العليا فقط.
تعتبر السياسة الخارجية المصرية ركيزة من ركائز التوازن في العلاقات الدولية، حيث تظل خياراتها مشروطة بمصالح وأمن قومي شامل يمتد عبر الشرق الأوسط وأفريقيا.
هذا التوازن يُعزز من الوزن الاستراتيجي لمصر، مما يجعلها محصنة ضد محاولات الآخرين للتأثير على القرار المصري من خلال المقايضات.
من خلال استقلالية السياسة الخارجية، لا تفضل مصر طرفًا على آخر أيًا كانت قوة العلاقة، مما يجعلها مركزًا للتوازن في العلاقات الإقليمية والدولية.
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ تأتي في هذا الإطار، حيث يعبّر عن رغبته في تعميق العلاقات الاستراتيجية مع مصر كما ذُكر في مقاله بصحيفة «الأهرام».
تتلاقى رؤى بكين والقاهرة في انشاء نظام عالمي متعدد الأقطاب، رافضًا لهيمنة القوة الواحدة التي أثبتت فشلها في ضمان الأمن والاستقرار.
ومع ذلك، لا يُفهم عدم انحياز مصر كخطوة سلبية تجاه العلاقات الغربية بل هو محاولة لإصلاح ما أفسدته السياسات أحادية القطب.
من جهة أخرى، لم تطلب الصين من مصر تقليل علاقاتها مع القوى الغربية، احترامًا لاستقلالية قرارها واهتمامها بعدالة القضايا العالمية.
هذه الرؤية تتجلى في موقف الرئيس السيسي خلال رئاسته للاتحاد الأفريقي، حيث دعا إلى تعزيز مبدأ الشراكات المتكافئة وعدم التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول.
وسط أجواء الحرب في الشرق الأوسط، تبرز ثمار الإصلاحات المصرية في بنية دبلوماسية واقتصادية متينة تُعزز قدرة البلاد على مواجهة التحديات.
لعدة سنوات، كانت السياسة المصرية تبحث عن التوازن، حتى جاء الرئيس السيسي ليبدأ في إعادة تأهيل البنية الدبلوماسية المصرية لتعزز نفوذها الإقليمي والدولي.
استهلت مصر جهودها بتعزيز العلاقات الأفريقية وطرح مشروعات مثل الشام الجديد لتعزيز التعاون الإقليمي، رغم وجود المؤامرات التي تهدد أمن المنطقة.
واتجهت مصر أيضا إلى تعزيز الحوار مع أوروبا مبدية رغبتها في شراكة قائمة على تبادل المصالح، مما زاد من مكانتها أمام الاتحاد الأوروبي.
القضية الفلسطينية كانت في صميم تلك الجهود، حيث باءت خطط التهجير بالفشل بفضل تدخل مصر، كما أسهمت في تعزيز الاستقرار في غزة.
على صعيد العلاقات الإيرانية، قدمت مصر مبادرة للحوار بين العرب وإيران، موجهة نحو إعادة صياغة العلاقة في إطار التعاون الإقليمي.
نجحت مصر في الحيلولة دون تورط الدول الخليجية في الصراعات مع إيران، مشددة على ضرورة الحفاظ على الأمن الإقليمي.
في ظل أزمات الصومال وجيبوتي، كانت مصر واضحة في دعمها السياسي والعسكري، كما لعبت دورًا محوريًا في مبادرات توحيد ليبيا.
وعلى الجانب الاقتصادي، نجحت مصر في بناء بنية تحتية متطورة تشمل طرقًا حديثة وشبكات سكك حديدية، جعلتها مركزًا للتجارة العالمية.
زيارة الرئيس الصيني تأتي لتؤكد أهمية الشراكة الاستراتيجية في كافة المجالات، مما يشير إلى بداية جني ثمار الإصلاحات التي أجرتها مصر.
الصين تُدرك المكانة السياسية لمصر، مما يدفعها لتعميق التعاون العسكري والأمني، مع التركيز على المجالات التكنولوجية التي تعكس الثقة المتبادلة.
صحيح أن مصر يمكن أن تصبح مركزًا للتصنيع المشترك، لكن هذا يتطلب وجود نفوذ سياسي واقتصادي يسمح لها بلعب دور رائد.
في الختام، الدول العظمى لا تتحالف مع الضعفاء بل تتمسك بالشركاء الموثوقين، وفي نظر الصين، مصر هي حليف استراتيجي يمتلك القدرة على التأثير في المعادلات الإقليمية.




