رسالة إلى من يسيئون فهم السياسة السعودية

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رسالة إلى من يسيئون فهم السياسة السعودية, اليوم الأربعاء 1 أبريل 2026 10:23 مساءً


يسيء بعض المحللين السياسيين، وأصحاب الخطابات الشعبوية الضيقة، فهم السياسة السعودية حين يظنون أن عدم الرد العسكري المباشر في بعض الحالات يعكس ضعفا أو عدم القدرة على المواجهة. وهذه نظرة سطحية لا تفهم طبيعة الدولة السعودية، ولا تستوعب تاريخها، ولا تدرك الفارق الكبير بين الصمت الحكيم الشجاع والعجز، وبين التأني المدروس والتردد.

المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها، لم تكن يوما دولة شعارات صاخبة، ولا خطابات نارية، ولا مواقف تستند إلى العنتريات اللفظية التي تملأ الأسماع ثم لا تترك أثرا حقيقيا في الواقع. فعلى امتداد العقود، شهد العالم العربي نماذج كثيرة لزعماء ملأوا الدنيا تهديدا ووعيدا، ورفعوا أصواتهم عاليا، وعادوا المملكة، وهاجموا مواقفها، وظنوا أن الصخب هو مرادف القوة. لكن أين هم اليوم؟ ذهبوا، وبقيت السعودية، بفضل الله، شامخة راسخة ثابتة، بقيادتها الحكيمة، وشعبها الواثق، ودولتها التي تعرف كيف تدير الأزمات بعقل الدولة الشجاعة الحكيمة، لا بانفعال المنابر ولا بخطابات التخدير ولا الاعتداء على الآخرين.

لقد مرت المملكة بتحديات جسيمة وفتن كبرى، من أزمات المنطقة في العقود الماضية، إلى التوترات التي صاحبت مرحلة جمال عبدالناصر، إلى حروب الخليج في الثمانينيات والتسعينيات، وصولا إلى التهديدات الحوثية على حدودها. وفي كل ذلك، لم تكن السعودية دولة متسرعة، بل دولة تزن الأمور بدقة، وتقرأ المشهد بعمق، وتتحرك حين يحين وقت التحرك. وحين يستدعي الأمر الحسم، فإنها تحسم بلا تردد؛ كما فعلت في الكويت واليمن والبحرين حين لبت نداء المساندة والدعم، انطلاقا من تقديرها لمصالحها وأمنها القومي، لا انتظارا لإذن أحد، ولا ارتهانا لرغبات الآخرين.

وهنا يكمن الفرق الذي لا يدركه أصحاب القراءات السطحية، ممن يظهرون بين حين وآخر في بعض القنوات التلفزيونية أو على مواقع التواصل الاجتماعي. فالسعودية لا تعرف القوة بارتفاع الصوت، بل بالفعل المحسوب، ولا ترى الشجاعة في التهديدات الجوفاء التي يكررها بعض الخصوم والحاقدين، بل في القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. فليس كل من صرخ بتهور كان شجاعا، وليس كل من التزم الهدوء كان ضعيفا. وقادة المملكة وشعبها امتداد لأرض أنجبت رجالا سطروا أسماءهم في صفحات التاريخ، وخرجت منها قبائل وأسر كان لها أثر واسع في أرجاء العالمين العربي والإسلامي، ولم يكونوا يوما بعيدين عن ميادين الشجاعة أو الحكم أو القيادة. فهم أهل بأس وميدان، خاضوا من المعارك ما جعلهم أهل سيادة وسؤدد. غير أن ما يميزهم أن البأس عندهم ليس استعراضا، وأن القوة ليست ضجيجا، وأن القرار لا تصنعه الحماسة الجوفاء وحدها، بل تصنعه الحكمة أيضا.

نحن السعوديون لا نعرف لغة التصريحات العنترية التي لا تكشف إلا عن حماقة وصفاقة، لكننا أهل فعل وحسم. وكثير ممن يتقنون لغة التهديد والوعيد لا يكيدون في الحقيقة إلا لأنفسهم، ولا يجنون إلا عليها. ومن الأمثلة على هذا اللون من الهرطقات ما صدر عن بعض قادة الحوثيين عند انطلاق عاصفة الحزم عام 2015، حين تحدثوا بثقة متضخمة، وتوهموا أن الطريق إلى السعودية مفتوح، وأنهم بعد أشهر قليلة في ذلك العام سيتحدثون من الرياض.

وكانت تلك التصريحات مثالا فاضحا على الفجوة الهائلة بين الهلوسة والواقع، وبين أوهام الميليشيا ومنطق الدولة. فقد ظنوا أن الصراخ يكفي لصناعة نصر، وأن التهديد اللفظي قادر على تغيير موازين القوة والتاريخ والجغرافيا. لكن الحقيقة التي صدمتهم كانت أقسى بكثير من خطاباتهم؛ إذ أثبتت الوقائع أن المملكة، حين تتحرك، لا تتحرك بعقلية الميليشيا، بل بعقل الدولة التي تعرف كيف تخطط، وكيف تحشد، وكيف تدير المعركة سياسيا وعسكريا. ولهذا تمكن التحالف العربي بقيادة المملكة من كسر شوكتهم وتقويض مشاريعهم، بل وتحررت بفضل الله مساحات واسعة من الأراضي اليمنية من قبضتهم وأطماعهم.

ولا ننسى أيضا مثالا آخر من التهديدات الجوفاء في عهد صدام حسين، حين كانت تصدر تجاه المملكة شعارات صاخبة وخطابات تهديد متغطرسة لا تدل إلا على عقلية خاوية من الحكمة وبعد النظر. ومع ذلك، تحركت المملكة آنذاك بكل حكمة وشجاعة، وأسهمت في تحرير دولة الكويت الشقيقة من ذلك العدوان الغاشم. وهذان المثالان ليسا إلا غيضا من فيض من الفتن والتحديات التي مرت بها المملكة والمنطقة، وخرجت منها السعودية، بفضل الله، منتصرة على من اعتدى عليها قولا أو فعلا.

نقول لهؤلاء السطحيين إن السعودية، بعون الله وتوفيقه، ليست دولة تعرف كيف تدير الأزمات فحسب، بل دولة تعرف أيضا كيف تصاغ السياسة وكيف يمارس النفوذ على المستوى الدولي. فهي تدرك أن التأثير الحقيقي لا يأتي من ضجيج الكلمات، بل من بناء المواقف، وحشد التأييد، وتوظيف العلاقات الدولية بثقل وحكمة وشجاعة. ولذلك تتحرك بصمت حين يكون الصمت أبلغ، وتتحدث بحزم ووضوح حين يكون البيان ضرورة. ومن يخلط بين قلة الكلام وقلة التأثير، فإنه لا يعرف كيف تعمل الدول الكبرى، ولا كيف تدار الأزمات، ولا كيف يبنى النفوذ في العالم.

ولهذا، فإن من يسيء فهم هدوء السعودية، يسيء في الحقيقة فهم معنى القيادة، ومعنى القوة، ومعنى الدولة. فقد أشار ابن حبان البستي رحمه الله قبل أكثر من ألف عام في كتابه روضة العقلاء ونزهة الفضلاء إلى معنى نفيس، حين دل على أن السيادة عند العرب لم تكن تعطى لمجرد الشجاعة، بل لمن اجتمع له عقل راجح، وبصر نافذ، وشجاعة تضبطها الحكمة. أما الشجاعة إذا انفصلت عن العقل، فإنها لا تكون إلا حماقة وتهورا قصير الأثر، باهظ الثمن، قليل الجدوى.

ومن هنا نفهم السعودية كما هي. دولة لا ينقصها الحزم، ولا تفتقر إلى الشجاعة، لكنها شجاعة الكبار الذين يعرفون أن القوة الحقيقية ليست في الصخب والحماقة، بل في القرار الرشيد، وليست في التهديد، بل في القدرة على الفعل ساعة يلزم الفعل. وهكذا كانت السعودية، وهكذا ستبقى بإذن الله، دولة قوية، شجاعة، حكيمة، عصية على الفهم السطحي، ثابتة بعون الله في وجه الأزمات، مرفوعة الهامة بقيادتها وشعبها. ودام عزك يا وطن.

أخبار ذات صلة

0 تعليق