تحل ذكرى رحيل الأديب الكبير يوسف إدريس الذي غادر عالمنا في الأول من أغسطس عام 1991، لكنه ترك خلفه إرثا أدبيا وفكريا ما زال يثير الجدل والنقاش حتى اليوم. يوصف إدريس بأنه أخطر كاتب في جيله، والوصف هنا لا يتعلق بالخطر بمعناه الأمني، بل بقدرته على هز الثوابت وكشف المسكوت عنه وتحريك المياه الراكدة في المجتمع والثقافة المصرية.
محطات في حياة يوسف إدريس بذكري رحيله
ولد يوسف إدريس عام 1927 في قرية البيروم بمحافظة الشرقية، ودرس الطب وتخصص في الأمراض النفسية. هذه الخلفية العلمية منحته أداة مختلفة لفهم النفس البشرية والغوص في أعماق شخصياته. لم يكن يكتب عن الإنسان من الخارج فقط، بل كان يشرح دوافعه وهواجسه وتناقضاته، لذلك جاءت قصصه ورواياته مشبعة بتحليل نفسي عميق جعل القارئ يرى نفسه في أبطاله حتى لو كانوا مهمشين أو بسطاء.
لماذا كان يوسف إدريس أخطر كاتب؟
الخطورة الأولى في مشروع يوسف إدريس وفقا لما رصده موقع تحيا مصر كانت في اللغة، كسر الحاجز بين الفصحى والعامية، وأدخل لغة الشارع المصري إلى القصة القصيرة بجرأة غير مسبوقة. كان يرى أن اللغة وسيلة تعبير حية وليست متحفا، وأن الكاتب يجب أن يكتب بالنبرة التي يتكلم بها الناس. هذا الاختيار أغضب المحافظين في وقته، لكنه فتح الباب لتيار كامل من الكتاب الذين تحرروا من سطوة القوالب اللغوية الجامدة.
الخطورة الثانية تمثلت في موضوعاته. يوسف إدريس لم يبحث عن المناطق الآمنة، بل ذهب إلى الهامش. كتب عن الفلاح المقهور والموظف البسيط والعسكري الغلبان والمرأة التي تعاني في صمت. في مجموعته أرخص ليالي قدم القرية المصرية بكل فقرها وقهرها وعجزها، بعيدا عن الصورة الرومانسية التي كانت سائدة. وفي قصة نظرة فضح قسوة المدينة على الأطفال الفقراء بمشهد واحد لا ينسى، كان يضع يده على الجرح مباشرة دون تجميل أو مواربة، وهو ما جعل كتاباته وثيقة اجتماعية بقدر ما هي فن.
مواقفه السياسية والفكرية
أما الخطورة الثالثة فكانت في مواقفه السياسية والفكرية. إدريس لم يكن كاتبا منعزلا في برجه العاجي، انخرط في العمل الوطني منذ شبابه، وشارك في المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، وسجن أكثر من مرة. بعد الثورة كان من المؤيدين لمشروع عبد الناصر، لكنه لم يتردد في نقد التجربة عندما رأى انحرافها. مقالاته في جريدة الجمهورية والأهرام كانت تثير العواصف لأنه كتب بصراحة عن أخطاء السلطة والبيروقراطية والفساد. دفع ثمن ذلك من حريته ومنع من الكتابة في فترات، لكنه لم يتراجع عن قناعته بأن دور المثقف هو المواجهة وليس المهادنة.
على مستوى الشكل الفني كان يوسف إدريس مجددا حقيقيا. يعتبره النقاد الأب الحقيقي للقصة القصيرة في مصر. طور بنية القصة من الحكاية التقليدية إلى اللقطة المكثفة التي تشبه الطلقة. قصصه قصيرة جدا لكنها تترك أثرا طويلا. كما أنه اقتحم عالم المسرح وقدم مسرحيات مثل الفرافير والمهزلة والجنس الثالث، وطرح فيها أفكارا فلسفية وسياسية حول الحرية والسلطة والهوية بأسلوب ساخر وعبثي سابق لعصره.
لم يكن يرضي أحدا
خطورة يوسف إدريس تكمن أيضا في أنه لم يكن يرضي أحدا بشكل كامل. هاجمه اليسار لأنه انتقد الاتحاد السوفيتي، وهاجمه اليمين لأنه دافع عن الفقراء، وهاجمه المحافظون بسبب جرأته في تناول الجسد والعلاقات، وهاجمه المجددون أحيانا لأنه تمسك بجذوره الريفية. كان يعيش في منطقة الاشتباك الدائم مع الجميع، وهذا هو تعريف الكاتب الخطير. الكاتب الذي لا يمكن تصنيفه في خانة جاهزة ولا يمكن تدجينه.
ترك يوسف إدريس أكثر من عشرين مجموعة قصصية وعدة روايات ومسرحيات ومئات المقالات. أعمال مثل الحرام والعيب وقاع المدينة والبيضاء ما زالت تدرس حتى اليوم وتعيد الأجيال الجديدة اكتشافها، تأثيره امتد إلى السينما فقدمت أعماله في أفلام مهمة أخرجها كبار المخرجين.















0 تعليق