قبل أشهر قليلة من انطلاق ماراثون الانتخابات النصفية الأميركية، تواجه الخارطة السياسية في الولايات المتحدة تحدياً استثنائياً يتجاوز حالة الاستقطاب الحاد بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، حيث تبرز في الأفق كتلة تصويتية متذمرة وغير مستقرة تضم الشباب والذكور من جيل «زد» والبيض دون التعليم الجامعي، وهم الذين ساهموا بقوة في إعادة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لكنهم يبتعدون اليوم عن الحزبين وسط حالة من الإحباط المعيشي والاجتماعي الشامل.
وحسب تقرير موسع نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» بالتعاون مع وكالات الأنباء العالمية، فإن استطلاعات الرأي الأخيرة ترصد تراجعاً حاداً في تأييد ترمب بين أوساط الشباب والطبقة العاملة، في وقت يعجز فيه الديمقراطيون عن ملء هذا الفراغ السياسي الكبير، مما يجعل هذه الشريحة الغاضبة عامل حسم غير متوقع قد يقلب الموازين بالكامل خلال الانتخابات النصفية المقبلة، نتيجة شعورهم بغياب الخطاب الحزبي المقنع الذي يلامس قلقهم اليومي.
ويشكل التراجع الاقتصادي وتصاعد الضغوط المعيشية المدخل الأساسي الذي دفع هؤلاء الشباب إلى الانزياح نحو اليمين سابقاً، بعدما وعدهم ترامب بخفض الأسعار القياسية وإعادة الوظائف الصناعية وحمايتهم من التنافسية العالمية، لكن هذه الوعود البراقة تصطدم اليوم بواقع قاسم يتمثل في استمرار غلاء المواد الغذائية الأساسية وارتفاع أسعار وقود البنزين المتأثر بالصراعات الدولية، فضلاً عن الآثار السلبية للتعريفات الجمركية التي زادت من اضطراب الأسواق المحلية.
ونقلت التقارير شهادات حية لشباب صوّتوا لصالح الرئيس الأميركي يعبرون فيها عن ندمهم وانتظارهم غير الجدي لتحسن الأوضاع الاقتصادية، حيث أشار بعضهم إلى أن السياسات التجارية الحالية أضرت بأعمالهم الصغيرة، بينما صدم آخرون من حملات الملاحقة الصارمة المتعلقة بملف الهجرة رغم تأييدهم الأولي لمواقف المحافظين، مما أدى لتراجع شعبية ترمب بنحو عشر نقاط مئوية كاملة بين الرجال الشباب خلال فترات زمنية وجيزة.
ولا يعني هذا التراجع التلقائي في شعبية المعسكر الجمهوري تدفق هذه الأصوات نحو المرشحين الديمقراطيين في المنافسة القادمة، بل يعكس حالة من النفور الجماعي والرفض للمنظومة التقليدية برمتها، إذ يرى الكثير من المستطلعين أن الحزبين يعيشان في جزر معزولة ولا يفهمان حقيقة الأزمات البنيوية التي تحاصر الأجيال الجديدة، معتبرين الخطاب الديمقراطي بمثابة تنظير أكاديمي متعالٍ يخلو من الإجراءات العملية القابلة للتطبيق الفوري.
انهيار المعاقل التقليدية وتصاعد موجات العزوف في الولايات المتأرجحة
وتشير البيانات التحليلية الصادرة عن المعاهد السياسية في واشنطن إلى أن الأزمة الحالية الممهدة لمعركة الانتخابات النصفية لا تتوقف عند حدود الفئات العمرية الشابة، بل تمتد لتضرب العمق الاستراتيجي للقاعدة الانتخابية البيضاء من الطبقة العاملة غير الحاصلة على شهادات جامعية، والتي مثلت تاريخياً العمود الفقري والرافعة الأساسية لظاهرة الصعود السياسي لترمب منذ حملته الأولى، مما يهدد الحزب الجمهوري بخسارة مكاسب نيابية وتشريعية كبرى.
ووفقاً لاستطلاع رأي مشترك أجرته شبكة «سي بي إس نيوز» ومؤسسة «يوغوف» للأبحاث، فإن نسبة عدم الرضا عن الأداء السياسي لترمب قفزت بشكل مرعب لتصل إلى أربعة وخمسين في المائة بين الناخبين البيض غير الجامعيين، مقارنة بنحو اثنين وثلاثين في المائة فقط في الربع الأول من العام الماضي، وهو تحول رقمي يعكس مدى عمق الفجوة المتسعة والتحول المتسارع من الثقة المطلقة إلى التردد الواضح.
وتكتسب هذه الأرقام المستجدة أهمية بالغة وخطورة قصوى في ولايات الحزام الصناعي الأميركي مثل أوهايو وبنسيلفانيا، حيث يعتمد القادة الجمهوريون بشكل مطلق على حماسة الكتلة العمالية لضمان الحفاظ على مقاعدهم الحالية في مجلس الشيوخ والاحتفاظ بمناصب حكام الولايات، لكن التقارير الميدانية تكشف عن رغبة عارمة لدى العمال في مقاطعة الصناديق بسبب الوعود الزائفة التي تلقوها من مختلف الأطراف السياسية المتنافسة.
ويؤكد خبراء الاجتماع السياسي أن خطر اللامبالاة والعزوف الانتخابي يفوق بكثير خطر انتقال الولاءات المباشر إلى المعسكر المنافس، لأن طبيعة المواجهات التشريعية في منتصف الولاية الرئاسية لا تُحسم بتغير الأيديولوجيات وإنما بنسب المشاركة الفعلية والقدرة على حشد الجماهير، وإذا استمر هذا التراجع الحاد في أوساط الذكور والطبقة العاملة فإن الحزب الجمهوري سيواجه عجزاً بشرياً هائلاً لا يمكن تعويضه عبر الشعارات التقليدية.
وتركز الخطابات اليمينية الراهنة على قضايا الأمن ومكافحة الهجرة غير الشرعية كأدوات أساسية لتحفيز الناخبين وإعادتهم للمسار، لكن المعطيات الحالية تثبت أن هذه الرسائل لم تعد كافية وحدها لإقناع المواطن الأميركي الذي يعاني من أزمات السكن وتراجع القدرة الشرائية، مما يضعف الجبهة الجمهورية ويجعلها عاجزة عن تقديم ضمانات حقيقية للفوز بالدوائر الانتخابية التي كانت تعتبر مضمونة وغير قابلة للاختراق في السابق.
العجز الديمقراطي أمام تمدد المنصات البديلة وسرديات الهوية الذكورية
وفي المقابل يعاني الحزب الديمقراطي من عجز هيكلي واضح في استقطاب هذه الشريحة الغاضبة قبل بدء الانتخابات النصفية الحاسمة، رغم إدراك القيادات الليبرالية المتأخر لخسارة فئة الشباب الذكور لصالح منصات إعلامية يمينية بديلة ومؤثرين بارزين، نجحوا في ملء الفراغ السياسي عبر تقديم لغة مباشرة تحاكي مشاعر الإحباط وتلامس قضايا الهوية والأسرة والمكانة الاجتماعية المفقودة في المجتمع المعاصر.
وحسب دراسة أعدتها مؤسسات بحثية يسارية، فإن النخب الجمهورية والمنصات الرقمية المحافظة تمكنت من نسج مخاوف العمل والسكن والزواج ضمن سردية متكاملة للمستقبل، حيث ربطوا الضيق المالي والاقتصادي بالحلم الاجتماعي التقليدي المتمثل في امتلاك منزل مستقل وتأسيس عائلة مستقرة والحصول على الاحترام المجتمعي، وهو ما يفتقده الخطاب الديمقراطي الغارق في نقاشات الهوية الثقافية والجندرية المعقدة.
ويرى قطاع واسع من الشباب أن التيار اليساري يتعامل مع طموحاتهم المهنية والاجتماعية بنوع من البرود والارتياب، خاصة عندما تتصل تلك الطموحات بالأدوار التقليدية للرجل بوصفه معيلاً وحامياً طبيعياً للأسرة، مما دفع حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم للاعتراف علناً بأن حزبه كان خجولاً للغاية في التعامل مع قضايا الرجال، داعياً لتبني رؤية إيجابية للرجولة لا تجعل صاحبها يشعر بالذنب.
وسار حاكم ماريلاند الديمقراطي ويس مور على ذات النهج التصحيحي محذراً من التعامل مع الشباب كأزمة اجتماعية تتطلب الحلول بل كأصول استراتيجية يجب اكتشافها واستثمارها، غير أن هذه المقاربات اللفظية الجديدة ما زالت في طور التكوين الأولي ولم تتحول بعد إلى برامج سياسية واقتصادية ملموسة قادرة على إحداث الفارق الفعلي وتغيير قناعات الناخبين المحبطين مع اقتراب موعد التصويت.
ورغم تنظيم اللجان الديمقراطية لجلسات استماع مغلقة ومجموعات تركيز مكثفة وإطلاق حملات إعلانية موجهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الحزب يفشل باستمرار في تحويل التعاطف اللفظي إلى مشروع تشريعي مقنع، مما يبقي مساحات شاسعة من الساحة السياسية تحت سيطرة الخطاب اليميني الذي يجيد اللعب على أوتار المظلومية الاجتماعية وتقديم الإجابات التبسيطية للأزمات المعيشية المعقدة.
كتلة متأرجحة عابرة للآيديولوجيا تبحث عن الأمان المعيشي والاعتراف
ويحذر ريتشارد ريفز رئيس المعهد الأميركي للفتيان والرجال من ارتكاب خطأ سياسي فادح عبر افتراض أن كتلة الشباب الذكور أصبحت قاعدة صلبة ومضمونة للتيار اليميني لترمب، مؤكداً في تصريحات صحفية أن هذه الشريحة تمثل القوة الأكثر تقلباً وتأرجحاً في المشهد السياسي الراهن، مما يجعلها متاحة للاستقطاب من أي طرف يمتلك الشجاعة لتقديم حلول حقيقية بعيداً عن الصراعات الآيديولوجية الحزبية الضيقة.
وتظهر المسوح الميدانية المتعددة أن هؤلاء الشباب لا يحملون مواقف محافظية متطرفة في العديد من الملفات الاجتماعية الساخنة، حيث يبدي الكثير منهم مواقف متقدمة وليبرالية تجاه قضايا مثل الحريات الشخصية والرعاية الصحية وحقوق المرأة، مما يعني أن انزياحهم نحو اليمين لم يكن بدافع العقيدة الفكرية وإنما للبحث عن ملاذ اقتصادي آمن يوفر لهم الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي والوظيفي.
وكشفت محادثات موسعة أجرتها منظمات ليبرالية مستقلة مع آلاف الطلاب والناخبين في الجامعات الأميركية المختلفة، أن الصراعات الثقافية والجندرية تقع في تذييل قائمة اهتماماتهم الحقيقية، بينما يتصدر القلق المرتبط بالفساد الحكومي والأوضاع الاقتصادية المتدهورة وتداعيات الحروب الإقليمية على أسعار الطاقة صدارة أولوياتهم القصوى، مما يدفعهم لاتخاذ مواقف تصويتية عقابية ضد الإدارة الحالية في جولتي الانتخابات النصفية.
ويعكس هذا المشهد المعقد حقيقة أن الشباب والعمال يبحثون بالدرجة الأولى عن الاعتراف المجتمعي بمشكلاتهم المتفاقمة داخل سوق عمل قاسية تعاني من اندثار الوظائف التقليدية، ويواجهون صعوبات بالغة في توفير تكاليف الزواج وبناء العلاقات وشراء العقارات، وسط شعور متزايد بالتهميش والضياع وفقدان البوصلة الاجتماعية في ظل غياب السياسات الحكومية الفعالة التي تدعم تطلعاتهم المشروعة نحو الاستقرار والأمان.
وينجح اليمين المحافظ حتى الآن في تقديم سردية هويتية مبسطة تمنح هؤلاء التائهين شعوراً مؤقتاً بالانتماء والقيمة، في حين يواصل اليسار الديمقراطي تقديم حزم من السياسات الجافة والبرامج الأكاديمية الباردة التي تفشل في مخاطبة الوجدان الإنساني ومصادر القلق اليومي، مما يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لكافة الاحتمالات والمفاجآت السياسية التي قد تعيد تشكيل توازنات القوى بالكامل في واشنطن.
أزمة الثقة الهيكلية ومستقبل الخارطة السياسية في أميركا
وتتجاوز الأزمة الحالية مجرد منافسة انتخابية عابرة لتكشف عن تصدع عميق في العقد الاجتماعي بين الأجيال الجديدة والمنظومة السياسية التقليدية بجناحيها، حيث يشعر جيل «زد» أن الوعود التي أطلقتها النخب الحاكمة على مدار العقود الماضية لم تسفر سوى عن مزيد من الديون الطلابية المتراكمة وضيق الفرص الاقتصادية، مما يعزز النزعات العدمية ويدفع نحو مقاطعة شاملة للعملية الديمقراطية.
وتواجه اللجان الانتخابية للحزبين صعوبة بالغة في صياغة رسائل موحدة ومقنعة لجمهور يعتمد بالكامل على منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة لتشكيل وعيه السياسي، بعيداً عن وسائل الإعلام التقليدية والصحف الكبرى التي فقدت الكثير من مصداقيتها لدى هذه الفئات، مما يجعل التنبؤ بسلوكهم التصويتي أمراً في غاية الصعوبة ويزيد من ارتباك غرف العمليات الانتخابية في المعسكرين.
ويكمن التحدي الأكبر للديمقراطيين في قدرة قياداتهم الشابة على النزول إلى القواعد الشعبية والتخلي عن اللغة النخبوية المقيدة، وتبني لغة اقتصادية واضحة تركز على خلق فرص العمل وحل أزمة السكن الخانقة وتخفيف الأعباء المعيشية، لقطع الطريق على الخطاب اليميني المتصاعد الذي يستغل هذه الثغرات لتعزيز نفوذه وبناء تحالفات انتخابية جديدة قادرة على تغيير وجه أميركا السياسي.
ومع اقتراب الحسم في الانتخابات النصفية، يظل سلوك هذه الكتلة المتأرجحة والغاضبة معلقاً بين الرغبة في معاقبة النظام القائم عبر التصويت لليمين الاحتجاجي، أو الانكفاء التام على الذات ومقاطعة مراكز الاقتراع، وهو السيناريو الذي يخشاه الجميع لما له من تداعيات كارثية على شرعية المؤسسات التشريعية واستقرار التوازنات السياسية داخل الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ خلال المرحلة المقبلة.
إن قصة التحول السياسي لشباب جيل «زد» والطبقة العاملة الأميركية تمثل مرآة حقيقية للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالغرب عموماً، وتثبت أن الاقتصاد وحده، رغم أهميته القصوى، يجب أن يتكامل مع سردية هوية واضحة تمنح الأفراد شعوراً بالأمان والتقدير والمستقبل المستقر، وبدون ذلك ستبقى الصناديق الانتخابية ساحة للمفاجآت غير المحسوبة والاضطرابات السياسية المستمرة.


















0 تعليق