أعلن الجيش السوداني عن إحباط تحركات برية واسعة النطاق لمليشيا الدعم السريع في محيط مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، حيث نجحت المقاتلات الجوية في شن غارات مكثفة استهدفت تعزيزات عسكرية كبيرة وناقلات جنود وعتاداً حربياً دفعت به المليشيا ضمن مخطط لإحداث اختراق ميداني، وقد تمكنت القوات الجوية من تشتيت هذه الأرتال التي امتدت على مساحات جغرافية واسعة لمنع المليشيا من تحقيق أي مكاسب على الأرض.
وحسب تقرير لموقع اندبندنت عربية، فإن قوات الفرقة الخامسة مشاة التابعة لقوات الجيش السوداني والمعروفة بـالهجانة شنت هجوماً مباغتاً ومحكماً وجهت من خلاله ضربات موجعة لمتحرك ضخم يتبع لمليشيا الدعم السريع، وجاء هذا التحرك العسكري بعد رصد دقيق لوصول تعزيزات عسكرية تضم آلاف المركبات القتالية والمصفحات والمدرعات والتجهيزات اللوجستية، التي حشدتها المليشيا خلال الأيام الماضية في محاولة لتطويق المدينة الإستراتيجية وعزلها عن محيطها الجغرافي.
وفي ذات السياق، واصل الطيران الحربي التابع لقيادة الجيش السوداني قصفه الجوي المركّز الذي امتد من مناطق أم صميمة وعيال بخيت في المحور الغربي، وصولاً إلى الدنكوج وبارا والسنجكاية والضليمة في المحور الجنوبي لولاية شمال كردفان، وأسفرت هذه الضربات الدقيقة عن تدمير ثماني عشرة مركبة قتالية بالكامل في منطقة جبرة الشيخ، بالإضافة إلى مقتل قائد ميداني بارز برتبة عقيد وإصابة عشرات العناصر الإرهابية.
وأفادت مصادر ميدانية مطلعة بأن الطلعات الجوية المكثفة ركزت على تشتيت خطوط إمداد الدعم السريع وإفشال خططها الهجومية، في حين نجحت الدفاعات الجوية التابعة لقوات الجيش السوداني بالمدينة في إسقاط طائرة مسيرة مفخخة، حيث كانت المليشيا تحاول استخدامها لاستهداف المقار العسكرية والمنشآت المدنية والأحياء السكنية المكتظة بالمواطنين داخل الأبيض، مما ساهم في استقرار الأوضاع الأمنية وطمأنة السكان المحليين الذين يواجهون حصاراً مستمراً.
ودفعت المليشيا بمجموعات قبلية ومقاتلين من مناطق دارفور وغرب كردفان لإعادة التمركز والانتشار في مناطق النهود والخوي وأم صميمة وأبو قعود، وتزامنت هذه التحركات مع حشود أخرى في منطقتي كازقيل والرياش بجنوب الأبيض بغرض إحكام الحصار وتطويق المدينة بالكامل، وتسيطر المليشيا المتمردة على أجزاء واسعة من ولاية شمال كردفان باستثناء محليات شيكان وأم روابة والرهد الإستراتيجية.
أهمية الأبيض العسكرية والتحركات الدبلوماسية لدعم السيادة والشرعية
وتشكل مدينة الأبيض مركزاً عسكرياً ولوجستياً غاية في الأهمية لقوات الجيش السوداني خصوصاً بعد انتقال مركز السيطرة والتحكم إليها، حيث أصبحت خط الوصل الرئيس بين مسارح العمليات الحربية في إقليمي كردفان ودارفور، وهذا الموقع الفريد جعلها هدفاً عسكرياً دائماً للمليشيا التي تسعى لعزلها تمهيداً لاقتحامها، بعد أن نجحت القوات المسلحة في فبراير من عام ألفين وخمسة وعشرين في إنهاء الحصار السابق.
وفي المقابل، اعترف متمردو الدعم السريع بتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة استهدفت شاحنات صهاريج لنقل الوقود على الخط السريع، الذي يربط بين مدينتي كوستي وتندلتي بولاية النيل الأبيض بهدف قطع الإمدادات الحيوية، وأشارت المنصات الإعلامية للمليشيا إلى استهداف مخازن أسلحة داخل قيادة الفرقة الخامسة مشاة بالمدينة، وتدمير نحو ثماني محطات وقود مدنية لتعطيل الحياة العامة وتحجيم تقدم القوات المسلحة بالمنطقة.
ومن جانبه، أكد المتحدث باسم قوات العمل الخاص محمد ديدان جاهزية القوات الأمنية والعسكرية المرابطة في الأبيض، مستبعداً قدرة المليشيا على شن أي هجوم بري وشيك على المدينة الإستراتيجية، واعتبر ديدان أن الشائعات حول الحشود تهدف إلى إثارة الرعب والبلبلة لدفع المدنيين للنزوح، مشيراً إلى وجود مخططات لضرب النسيج الداخلي وإحداث شرخ بين القوات المسلحة والمستنفرين والقوات المشتركة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بسفراء دول الاتحاد الأوروبي، ورحب البرهان بأي دعم دولي يحترم سيادة البلاد ويسهم في استقرارها وأمنها الإقليمي، مشدداً على أن العملية السياسية التي تفضي لتشكيل حكومة مدنية هي شأن سوداني خالص يجب أن يدار بإرادة وطنية مستقلة دون إملاءات خارجية.
ومن جهته، أكد سفير الاتحاد الأوروبي وولفرام فيتر استمرار التواصل مع الأطراف والمنظمات الدولية لإيجاد مخرج عاجل للأزمة الحالية، مجدداً رفض الاتحاد الأوروبي القاطع لإنشاء أي كيانات موازية للسلطة الشرعية في البلاد، والالتزام بدعم مسار الانتقال المدني وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية لملايين المتضررين، مع ضرورة احترام حقوق الإنسان والقوانين الدولية الإنسانية في كافة أرجاء السودان.
توثيق الانتهاكات الحقوقية والأممية وأرقام النزوح في أزمة السودان
وفي جنيف، استعرضت النائب العام لجمهورية السودان انتصار أحمد عبدالعال أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة التقرير الخامس، وأكدت عبدالعال أن اللجنة الوطنية للتحقيق تعمل باستقلالية كاملة وتنسيق محكم مع السلطات القضائية الوطنية، مشيرة إلى توثيق جرائم فظيعة ارتكبتها المليشيا المتمردة ضد المدنيين والبنية التحتية ترقى لجرائم حرب وإبادة جماعية واستزار عرقي بمناطق متعددة.
وكشفت الإحصاءات الرسمية الموثقة عن تسجيل أكثر من ثلاثين ألف حالة قتل وأربعة وأربعين ألف جريح، بالإضافة إلى توثيق ألفين ومائتي حالة اغتصاب وخمسة عشر ألف حالة احتجاز وإخفاء قسري، وقدرت اللجنة الخسائر الاقتصادية المبدئية بنحو سبعمائة وواحد وسبعين مليار دولار، وتجاوزت الدعاوى الجنائية المسجلة مائة وأربعين ألف دعوى تم الفصل في آلاف منها بالمحاكم الوطنية.
وفي سياق متصل، أكدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل أن العنف الجنسي بات سلاح حرب منهجي، وتستخدمه المليشيا لترهيب المواطنين في ظل الانهيار شبه الكامل للخدمات الصحية بمناطق النزاع، وطالبت مديرة الوحدة أميرة أزهري المجتمع الدولي بتبني إجراءات عاجلة لملاحقة الجناة ومحاسبتهم، وتوفير الدعم النفسي والتمويل المرن للمنظمات النسوية المحلية لإنقاذ الضحايا والفتيات بمختلف الولايات.
وعلى المستوى الأممي، أعلن المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن مقتل أكثر من ألف مدني سوداني، وذلك خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي جراء القصف المستمر بالطائرات المسيرة، وأوضح تورك أمام مجلس حقوق الإنسان أن هناك زيادة حادة ومقلقة في الهجمات العشوائية، نتيجة اتساع رقعة الصراع وتصاعد الأعمال العسكرية المروعة التي تستهدف المنشآت الحيوية.
ومن جهتها، أعلنت منظمة الهجرة الدولية عن انخفاض عدد النازحين داخلياً إلى ثمانية ملايين وثمانمائة ألف شخص، وسجلت المنظمة عودة أكثر من أربعة ملايين نازح إلى مناطقهم الأصلية خصوصاً بولايتي الخرطوم والجزيرة، ورغم هذه العودة الإيجابية فإن النزوح لا يزال واسع الانتشار بالولايات الثماني عشرة، حيث تستضيف ولايات دارفور النسبة الأكبر من النازحين والأطفال دون سن الثامنة عشرة.

















0 تعليق