النائبة فاطمة عادل تكتب: النسوية وقانون الأسرة (3): هل الأسرة عبء.. أم ضرورة إنسانية؟

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تناولنا في المقالين السابقين كيف بدأ الفكر النسوي القانوني يراجع بعض أفكاره عندما اقترب من التعقيد الحقيقي داخل الأسرة.
فانتقدت كاثرين بارتلت اختزال الأسرة في معادلة صراع دائم بين الرجل والمرأة، بينما دافعت كارين ديكرو عن أهمية استمرار حضور الأب في حياة الطفل بعد الانفصال؛ معتبرة أن العدالة الأسرية لا تعني وجود "طرف منتصر”، بقدر ما تعني تقليل الضرر الإنساني داخل الأسرة.

لكن بدأ النقاش مع الوقت ينتقل إلى مستوى أعمق؛ ليس فقط كيف نوزع الحقوق داخل الأسرة؟؛ بل كيف ينظر القانون أصلًا إلى الإنسان نفسه؟

هنا برزت Martha Fineman، إحدى أبرز الباحثات في الفكر النسوي القانوني المعاصر، والتي قدمت نقدًا مهمًا لفكرة سيطرت طويلًا على الفكر القانوني الحديث؛ فكرة “الفرد المستقل”.

حيث يفترض غالبًا القانون الحديث خاصة في صورته الليبرالية التقليدية؛ أن الإنسان قادر دائمًا على إدارة حياته وحده، وتحمل مسؤولياته اقتصاديًا ونفسيًا بشكل كامل، لكن فينمان رأت أن هذا التصور لا يشبه الواقع الحقيقي للبشر.

فالإنسان ليس مستقلًا طوال الوقت، كل شخص يمر بمراحل يحتاج فيها إلى الآخرين؛ في الطفولة، أو المرض، أو الشيخوخة، أو حتى في لحظات التعثر النفسي والاقتصادي؛ ولذلك رأت أن “الاعتماد المتبادل” ليس ضعفًا أو استثناءً؛ بل جزء طبيعي من الحياة الإنسانية.

ومن هنا بدأت تبني فكرتها الأساسية؛ المجتمع كله قائم على “الرعاية”، لكن القانون والاقتصاد يتعاملان مع الرعاية وكأنها شيء ثانوي أو غير مرئي.

ولهذا انتقدت الطريقة التي تتحمل بها الأسرة وخاصة النساء داخلها أعباء الرعاية اليومية دون دعم كافٍ، أو اعتراف حقيقي بقيمة هذا الدور؛ فالتربية، ورعاية الأطفال، والاهتمام بكبار السن، والدعم النفسي داخل البيت، كلها أعمال يقوم عليها المجتمع بالكامل، لكنها غالبًا لا تُحتسب اقتصاديًا ولا تحظى بحماية كافية.

لكن اللافت أن فينمان لم تصل من ذلك إلى الدعوة لتفكيك الأسرة أو اعتبارها مؤسسة يجب التخلص منها؛ بل على العكس كانت ترى أن الأسرة ستظل ضرورة إنسانية أساسية، لأن البشر بطبيعتهم يحتاجون إلى الرعاية والدعم والعلاقات المستقرة.

ولهذا كانت دعوتها الأساسية هي أن تعترف الدولة بأن الرعاية ليست عبئًا خاصًا تتحمله الأسرة وحدها؛ بل وظيفة اجتماعية مهمة تستحق الدعم والحماية.

ومن هنا طالبت بعدة أمور:
-سياسات عامة تدعم الأسرة والرعاية بدلًا من ترك الأفراد يواجهون كل الأعباء وحدهم.
-الاعتراف الاقتصادي والقانوني بأعمال الرعاية داخل الأسرة.

-نظم حضانة ورعاية أكثر توازنًا تقلل الصدام داخل الأسرة.

-نقل النقاش من “الصراع بين الرجل والمرأة” إلى كيفية إدارة الاعتماد الإنساني داخل المجتمع.

وقدمت في هذا السياق ما عُرف لاحقًا بـ “نظرية الهشاشة الإنسانية” أو Vulnerability Theory، والتي تقوم على فكرة بسيطة؛ جميع البشر معرضون للضعف والاحتياج في مرحلة ما من حياتهم، ولذلك يجب أن يبني القانون سياساته على هذا الواقع الإنساني، لا على فكرة الإنسان المستقل بالكامل الذي لا يحتاج إلى أحد.

وهنا تصبح مساهمة فينمان مختلفة عن كثير من النقاشات التقليدية حول الأسرة؛ فهي لم تكن تسأل فقط من يملك السلطة؟ أو من يكسب المعركة القانونية؟؛ بل كانت تسأل سؤالًا أعمق؛ كيف يمكن بناء مجتمع مستقر إذا تجاهل حقيقة أن البشر يحتاج بعضهم إلى بعض؟

وربما لهذا تبدو أفكارها مهمة اليوم؛ لأنها أعادت النقاش من مجرد صراع على الحقوق داخل الأسرة إلى سؤال أكبر: هل الأسرة مجرد علاقة قانونية قابلة للفك والتنظيم البارد؟ أم أنها واحدة من أهم المساحات التي يتعلم فيها الإنسان معنى الرعاية والاحتواء والمسؤولية المشتركة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق