نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"لسنا
مجرد
أرقام"..
تصدر
قائمة
أفضل
5
كتب
مبيعا
في
"صنداي
تايمز"
لشهور..
ونسخته
العربية
صدرت
لتروي
للعالم
كيف
تحول
الحزن
في
غزة
إلى
مشروع
جماعي, اليوم الاثنين 20 يوليو 2026 01:15 مساءً
عندما تنتهي الحروب، لا يبقى صدى الانفجارات، بل تبقى الحكايات. لا تبقى نشرات الأخبار، بل الوجوه التي حاولت النجاة، والأسماء التي رفضت أن تتحول إلى أرقام في سجلات الموت.
في غزة، حيث يجري اختزال الأحداث في إحصائيات وأرقام جامدة، يخرج صوت آخر ليقول إن وراء كل رقم عائلة تنبض بالحب، وطفلا يحلم، وأطفال لم يفقدوا إيمانهم بالحياة؛ بتلك الكلمات تصف الصحفية الفلسطينية هدى سكيك كتاب "لسنا مجرد أرقام"، والذي ألفه الكاتب الفلسطيني أحمد الناعوق والناشطة الأمريكية بام بيلي، وتصدر قائمة أفضل خمسة كتب مبيعا في جريدة "صنداي تايمز" البريطانية لشهور طويلة، قبل أن يصدر بنسخته العربية ليروي للعالم كيف تحول الحزن في غزة إلى مشروع جماعي.
وعلى الرغم من أن القصص التي أوردها الكتاب تتعلق بالفترة ما بين عامي 2014 و2015، إلا أن سطوره المكتوبة بلون الدم تبدو وكأنها قصصا حيا ترصدها عيون العالم في حرب الإبادة الإسرائيلية الجارية على غزة منذ 7 أكتوبر 2026.
وتعد قائمة "صنداي تايمز" لأكثر الكتب مبيعا، من أرفع المؤشرات في سوق النشر البريطاني، وتبرز مدى تجاوب القراء مع السردية الفلسطينية، التي اعتاد الغرب تهميشها؛ وانطلق مشروع الكتاب عام 2015 بعد أن قتلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي شقيق الناعوق في غارة جوية على غزة عام 2014، فتحول الحزن الشخصي إلى مشروع جماعي، يمكن الشباب الفلسطيني من إيصال أصواتهم للعالم باللغة الإنجليزية.
أما بيلي فكانت تعمل في منظمة أمريكية مناهضة للحرب، زارت غزة ضمن وفد نسائي عام 2009، واختارت الإقامة مع عائلات فلسطينية والتعرف على حياتهم اليومية. ثم التقت بالصحفي الفلسطيني في غزة حيث كان يدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة، وقررا الانطلاق في توثيق إنجازات الشباب الفلسطيني.
مأساة غزة تتواصل بوجوه وأسماء جديدة
على الرغم من أن شهادات الكتاب ولدت في أعقاب عدوان إسرائيلي على قطاع غزة في الفترة بين عامي 2014 و2015، إلا أن صفحاته تبدو اليوم وكأنها كتبت لتوثق المأساة الراهنة. فسطوره، التي كتبت بحبر الذاكرة ولون الدم، تستعيد تفاصيل يعيد العالم مشاهدتها يوما بعد يوم في حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، حيث تبدو الحكايات القديمة امتدادا لمأساة لم تنته بأسماء جديدة ووجوه تحمل ملامح من سبقوها قبل أكثر من عقد من الزمان.
تقول سكيك: سيبقى في النهاية هو ما كتبه الفلسطينيون أنفسهم؛ شهادة شعب رفض أن يتخلى عن إنسانيته، وصرخ في وجه العالم قائلا: نحن أكثر من مجرد أرقام... نحن عائلات متشابكة بالحب، وأصدقاء نعيش في ظلال آمالنا، وبشر مقيدون بالأحلام.
وثيقة إنسانية لنقل أصوات غزة إلى العالم
يوثق كتاب "لسنا مجرد أرقام" شهادات وتجارب إنسانية لفلسطينيين من قطاع غزة، مقدما سردا شخصيا لحياة سكان غزة تحت الحرب والحصار، بعيدا عن الأرقام والإحصاءات.
ويضم الكتاب 75 مقالة وقصيدة كتبها شبان وشابات من غزة، تناولوا فيها تفاصيل حياتهم وأحلامهم وتجاربهم قبل الحرب وأثناءها وبعدها، في عمل وصفه كتاب ومفكرين وفنانين بأنه وثيقة إنسانية تسهم في نقل أصوات سكان القطاع إلى العالم.
يقول الصحفي والمؤثر الفلسطيني معتز عزايزة: "هذا الكتاب يمثل حياتي وحياتهم وقصتنا المشتركة؛ هذه هي غزة كما هي في الواقع، بقلم من يعيشون تفاصيلها كل يوم".
وتصف الصحفية ومؤلفة الأفلام التسجيلية الكندية ناعومي كلاين الكتاب بأنه "بمثابة هروب إعجازية من السجن"، بينما تقول الصحفية والكاتبة الإسبانية أينارا ليرتكسوندي: "بين عامي 2015 و2024، نشروا أكثر من 1300 قصة باللغة الإنجليزية على الموقع الإلكتروني الذي يحمل الاسم نفسه. والآن، خطوا خطوة أخرى إلى الأمام، حيث جمعوا هذه الشهادات في كتاب وسط خضم الإبادة الجماعية".
أسوار السجن الإسرائيلية ستنهار في نهاية المطاف
تضيف كلاين: "السجن الذي حولت إسرائيل غزة إليه سيؤول إلى المصير ذاته الذي آلت إليه كل السجون: ستنهار جدرانه في نهاية المطاف. لقد خسر الأثينيون حربهم ضد إسبرطة وطردوا من جزيرة "ميلوس"، بينما عاد الناجون من أهل "ميلوس" إلى ديارهم؛ وبعد قرون، كانت تلك الجزيرة من أوائل المناطق التي انضمت إلى حرب الاستقلال اليونانية.
أما المحرر التنفيذي السابق لمجلة "ماساتشوستس ريفيو" الأمريكية جيم هيكس فيقول: ينقل كتاب "لسنا مجرد أرقام" أصوات شباب غزة إلى ما وراء جدران أكبر سجن مفتوح في العالم، والذي تحول الآن إلى ساحة للقتل؛ إنه نصب تذكاري لا يمحى عبر الزمن.
يستعيد الناعوق ذكريات لقاءاته مع شقيقه الأكبر وثلاثة من أصدقاء طفولته قرب مقبرة فلسطينية خلال إحدى الليالي الخالية من ضوء القمر. ويتذكر شعور السكينة الذي غمرهم وهم يجلسون عند قبر صديق آخر استشهد على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي عام 2008.
وفي إحدى الليالي، اجتمع الناعوق وأصدقاؤه وشقيقه الأكبر حول قبر مفتوح جرى إعداده لعملية دفن في صباح اليوم التالي؛ وتحداه أحد الأصدقاء بأن ينزل إلى القبر، ففعل ذلك. وحينها، قام أصدقاؤه بتغطية القبر وتركوه في الداخل، دون مصدر للضوء، أو هاتف محمول.
نشوة الانتصار على الموت وهم
تجربة الموت جزء من الحياة الفلسطية، لكنها تبقى قاسية؛ إذ يقول الناعوق: كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل في إحدى ليالي شهر يوليو الحارة، ولم أشعر بأي خوف على الإطلاق. لقد غمرتني السعادة وأنا أخوض بهدوء تجربة قد يراها الكثيرون مرعبة؛ إذ بقيت داخل القبر لنحو عشر دقائق. وخلال ذلك الوقت، تظاهر أصدقائي بالمغادرة في محاولة لإخافتي، لكنهم أصيبوا بخيبة أمل؛ فلم أشعر بالخوف. وحين أدركوا أنني لن أتوسل إليهم ليخرجوني، فتحوا القبر وهنأوني قائلين: "لقد فزت".
لكن نشوة الانتصار على الموت لم تدم كثيرا؛ حيث استشهد شقيق الناعوق وأصدقاؤه الثلاثة في غارة إسرائيلية واحدة؛ وبعدها لم يعد الناعوق إلى زيارة المقبرة! لم يكن الناعوق وحده الذي قهر الموت قلبه، حيث استشهد أربعة كتاب فلسطينيين ممن ساهموا في إصدار كتاب "لسنا مجرد أرقام" خلال حرب الإيادة الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، لتتحول شهاداتهم من روايات عن النجاة والحياة إلى إرث أخير لحرب وثقوا فصولها.
لم تنته فصول القصة بعد، فسهام الاحتلال طالت شقيقا آخر لمؤلف الكتاب في حرب الإبادة الحالية، وتحديدا في 22 أكتوبر 2023، في صورة عبرت عنها ابنة شقيقه، قائلة: لم أعد أرغب في سماع أي شخص يلقي المواعظ عن الإنسانية والقيم والسلام. فالإنسانية تقتل؛ أنا لست مجرد رقم، بل إنسانة لديها أحلام ومشاعر.
يبقى الحلم حاضرا رغم الألم
رغم قسوة الواقع وثقل الفقد، يظل الحلم حاضرا كمساحة أخيرة للتمسك بالحياة؛ حلم قد يتأجل لكنه لا يموت، حلم بمدينة مزدهرة تعود فيها غزة إلى صورتها التي يستحقها أهلها. فالكلمات التي تكتب وسط الركام لا تخضع لجدران الحصار، بل تبقى شاهدة على قدرة الإنسان على مقاومة النسيان والتمسك بالأمل.
هكذا تقول الفلسطينية أمنية غسان، وكأنها تستحضر صدى مقولة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: "أعرف أنهم أقوياء ويستطيعون الغزو وقتل أي شخص، غير أنهم لا يستطيعون تحطيم كلماتي أو احتلالها". ويبقى كتاب "لسنا مجرد أرقام" – بنسختيه العربية والإنجليزية- مساحة حرة تحفظ الحكايات من النسيان، وتمنح أصحابها حق الوجود خارج حدود الأرقام والألم.


















0 تعليق