من الوشاح القضائي إلى البالطو والزي الميري.. كيف يصنع منتحلي الصفة هيبة وهمية؟.. خبراء: المحتالون يقرأون احتياجات الضحايا ويستغلون الخوف والطمع والرغبة في الأمان.. والمشكلة في الرقابة

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من الوشاح القضائي إلى البالطو والزي الميري.. كيف يصنع منتحلي الصفة هيبة وهمية؟.. خبراء: المحتالون يقرأون احتياجات الضحايا ويستغلون الخوف والطمع والرغبة في الأمان.. والمشكلة في الرقابة, اليوم الخميس 13 أغسطس 2026 11:14 صباحاً

القاضي المزيف والطبيب المزيف والضابط المزيف والصحفي المزيف.. كلها صفات تصدرت المشهد خلال الفترة الأخيرة في وقائع اتسمت بانتحال الهوية والاحتيال، بعدما نجح أشخاص في إقناع المحيطين بهم بأنهم يحملون صفات رسمية ومهنية لم يمتلكوها يوما، مستغلين هيبة المنصب وقوة اللقب وثقة المجتمع في أصحاب هذه الصفات. لكن كيف يستطيع شخص عادي أن يرتدي «ثوب» القاضي أو الطبيب أو الضابط  وغيرها من الصفات الوظيفية، ويقنع آخرين بأنه صاحب سلطة أو خبرة أو مكانة؟ ولماذا يصدق البعض هذه الادعاءات دون أن يطلبوا دليلا على صحتها؟ وهل تكمن الحكاية في مهارة المحتال وحدها، أم أن هناك عوامل اجتماعية ونفسية ومؤسسية تمنح «المزيف» فرصة للنجاح والاستمرار؟ 

«القاضي المزيف».. سنوات خلف الوشاح القضائي

بدأت واقعة «القاضي المزيف» بعد تداول فيديو استغاثة لأحد المواطنين، اتهم فيه شخصا بالحصول على أموال منه بعدما أوهمه بقدرته على إنهاء مصالح وإجراءات رسمية. وكشفت التحقيقات أن المتهم ظل لعدة سنوات منتحلا صفة قاض، مستغلا تلك الصفة في إيهام المواطنين بقدرته على إنهاء مصالحهم مقابل مبالغ مالية، كما استعان بثلاثة من العاملين بمحكمة شمال القاهرة لتمكينه من دخول المحكمة وقاعات الجلسات بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، وارتدى الوشاح القضائي وصور مقاطع فيديو داخل المحكمة، ثم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتدعيم صورته الزائفة وإقناع ضحاياه بأنه يشغل صفة قضائية حقيقية.

«الطبيب المزيف».. سنوات من العلاج الخاطئ حتى وفاة طفلة

وفي واقعة أخرى، نجح طبيب مزيف لسنوات في ممارسة الطب منتحلا صفة طبيب أورام، مستخدما مؤهلا دراسيا مزورا، وتمكن من خداع عشرات المرضى وتشخيص حالاتهم ووصف أدوية لهم، قبل أن ينكشف أمره، وكشفت التحقيقات أن من بين ضحاياه طفلة تلقت علاجا خاطئا بعد تشخيصه لحالتها، ما أدى إلى تدهور صحتها ووفاتها، لتكشف الواقعة الوجه الأخطر لانتحال الصفة، عندما يتحول الخداع من وسيلة لكسب المال والثقة إلى تهديد مباشر لحياة المرضى.


«عراف الجيزة».. 32 عاما خلف قناع الضابط

أما «عراف الجيزة»، فكانت سنوات الخداع هي الأطول، بعدما كشفت التحريات أنه انتحل صفة ضابط لنحو 32 عاما، ونجح في إقناع زوجته وأبنائه بحقيقة عمله المزعوم، حتى أنه كان يحتفل معهم بترقياته الوهمية ثم أخبرهم بإحالته إلى المعاش، وعقب ضبطه، عثرت الأجهزة الأمنية داخل منزله على صور له مرتديًا الزي الميري، إلى جانب أجهزة حاسب وطابعات وأختام ومستندات وشهادات وعقود مزورة، استخدمها في انتحال أكثر من صفة، من بينها ضابط وأستاذ جامعي.

 

 كيف ينجح «المزيفون»

تقول الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع ورئيسة قسم بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إنه يمكن تناول «المزيفين» باعتبارهم ظاهرة اجتماعية تتجاوز مجرد الكذب أو النفاق الفردي؛ فالمقصود بهم الأشخاص الذين يقدمون صورة عن أنفسهم أو عن كفاءاتهم أو قيمهم تختلف بصورة جوهرية عن حقيقتهم، ثم يستخدمون هذه الصورة للحصول على مكانة أو نفوذ أو مكاسب مهنية واجتماعية، موضحة أن ظاهرة التزييف الاجتماعي تستحق التوقف أمامها، لأنها لا تتعلق فقط بشخص يبالغ في قدراته أو يتظاهر بما ليس فيه، وإنما تمتد آثارها إلى بيئة العمل وإلى منظومة القيم التي تحكم العلاقات داخل المجتمع.

وأضافت أن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المظهر أكثر قيمة من الجوهر، والقدرة على التسويق للنفس أهم من القدرة على الإنجاز، والانطباع أهم من الحقيقة، منوهة إلى أن التزييف لا يأخذ شكلًا واحدًا، فقد يكون شخصًا يبالغ في مؤهلاته وخبراته، أو موظفًا ينسب إلى نفسه إنجازات الآخرين، أو مديرًا يتظاهر بالكفاءة بينما يعتمد في الحقيقة على جهود مرؤوسيه، أو شخصًا يجيد بناء شبكة من العلاقات وتقديم نفسه بصورة مهنية لافتة دون أن يمتلك القدرات التي توحي بها صورته.

وتابعت: هنا تظهر مشكلة اجتماعية ومؤسسية مهمة؛ فعندما تفشل المؤسسة في التمييز بين الكفاءة الحقيقية والكفاءة المتخيلة، يصبح التزييف وسيلة للترقي؛ فالإنسان المجتهد الذي يعتمد على العمل والالتزام وبناء الخبرة تدريجيًا قد يجد نفسه في منافسة غير عادلة مع شخص أكثر قدرة على صناعة الصورة والتأثير في الآخرين. ومع تكرار هذه التجربة، قد يتولد لدى أصحاب الكفاءة شعور بالإحباط، وقد يبدأ بعضهم في تقليد السلوك نفسه باعتباره الطريق الأكثر فاعلية للنجاح، ومن هنا، لا تقف الحكاية عند حدود شخص يجيد صناعة صورته، وإنما تمتد إلى من حوله، لتصل إلى أخطر مراحل الظاهرة: انتقال التزييف من سلوك فردي إلى ثقافة مؤسسية.

 

بين تحسين الصورة واختلاق شخصية غير حقيقية

وتضع  "هند" الظاهرة في إطار أوسع من مجرد الخداع داخل مكان العمل، مؤكدة أنه يمكن النظر إلى التزييف باعتباره أحد أشكال إدارة الانطباع؛ فالإنسان لا يقدم ذاته للآخرين بصورة عشوائية، وإنما يحاول في كثير من المواقف التحكم في الطريقة التي يراه بها الآخرون، وهذا أمر طبيعي إلى حد ما؛ فكل شخص يحاول أن يظهر بأفضل صورة في مقابلة عمل أو مناسبة اجتماعية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إدارة الانطباع من تحسين العرض الخارجي للذات إلى اختلاق ذات غير حقيقية، وهنا يظهر الفرق بين الشخص الذي «يحسن تقديم نفسه» والشخص «المزيف»؛ فالأول قد يمتلك بالفعل الكفاءة ويجيد التعبير عنها، بينما الثاني قد يمتلك صورة مهنية واجتماعية جذابة لا تتناسب مع قدراته الحقيقية، ومن ثم، ليست المشكلة في الاهتمام بالصورة، وإنما في اتساع الفجوة بين الصورة والحقيقة.

 


السوشيال ميديا.. مساحة أوسع لصناعة الصورة

وترى أستاذ علم الاجتماع أن البيئة الرقمية منحت هذه الصورة مساحة أكبر للانتشار؛ إذ أصبح من السهل تقديم نسخة منتقاة من الحياة، وعرض النجاحات والمقتنيات والعلاقات والإنجازات، مع إخفاء جوانب الفشل أو العجز أو التناقض، وهذا لا يعني أن كل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي مزيف، ولكن البيئة الرقمية تسمح بدرجة عالية من الانتقائية في تقديم الذات.

ومع انتشار ثقافة المقارنة، قد يبدأ الأفراد في قياس نجاحهم ليس بما يمتلكونه فعليا من مهارات وقيم وإنجازات، وإنما بما يرونه في الآخرين.

وهنا يمكن أن تنشأ دائرة خطرة: شخص يصنع صورة مثالية عن نفسه، وآخرون يصدقونها، ثم يحاولون صناعة صور مماثلة عن أنفسهم، وبذلك تتحول الحياة الاجتماعية تدريجيا إلى مساحة للتنافس على الصورة.


نجاح المزيف.. ليس دائمًا قدرة على الخداع


وبحسب "هند”، فإن نجاح المزيف لا يمكن دائما تفسيره بقدرته الشخصية على الخداع، فالمسألة قد تكون انعكاسا للبيئة المحيطة به أيضا، ففي بعض الحالات يكون نجاحه نتيجة وجود بيئة اجتماعية أو مؤسسية تساعد على ذلك.


ومن أهم العوامل التي تسمح بانتشار الظاهرة: ضعف معايير تقييم الأداء، غياب الشفافية والمسألة، الاعتماد المفرط على العلاقات الشخصية، التركيز على الانطباعات بدلًا من النتائج، ضعف ثقافة الاعتراف بالخطأ، الخلط بين الثقة بالنفس والقدرة الحقيقية، إعطاء أهمية مبالغ فيها للمظاهر الاجتماعية، ضعف الرقابة المهنية والأخلاقية.


كيف يمكن مواجهة المزيفين؟

وهنا تنتقل أستاذة علم الاجتماع من تشخيص الظاهرة إلى السؤال الأهم: كيف يمكن مواجهتها؟

وأوضحت أن مواجهة المزيفين لا تكون فقط بكشف الأشخاص، وإنما بإصلاح البيئة التي تجعل التزييف مرحبا به، مشيرة إلى أن أخطر أثر اجتماعي للظاهرة هو تطبيعها.

ففي البداية قد يشعر الإنسان بأن الكذب أو التظاهر أمر غير أخلاقي، لكن عندما يرى آخرين يستخدمونه لتحقيق النجاح دون عواقب، يبدأ في إعادة النظر في موقفه، ثم يتحول الأمر من «سلوك خاطئ» إلى «الجميع يفعل ذلك»، وبعدها إلى «إذا لم أفعل مثله فسوف أخسر».

وهذه المرحلة شديدة الخطورة؛ لأن المجتمع ينتقل فيها من رفض السلوك غير الأخلاقي إلى التكيف معه.

وترى أستاذة علم الاجتماع أن المواجهة الحقيقية لا تبدأ من الأشخاص، وإنما من القواعد التي تمنحهم فرصة النجاح؛ إذ يجب أن تكون الترقيات والمكافآت والفرص المهنية مرتبطة بالنتائج والكفاءة والسلوك المهني، وليس فقط بقدرة الشخص على تقديم نفسه.

كما يجب تعزيز ثقافة الاعتراف بالخطأ؛ لأن المؤسسات التي تعاقب الموظف على الاعتراف بضعفه قد تدفعه بصورة غير مباشرة إلى إخفائه والتظاهر بالكفاءة.

وتحتاج الأسرة والمدرسة أيضا إلى تعليم الأبناء أن النجاح ليس مجرد الحصول على إعجاب الآخرين، وأن قيمة الإنسان لا تتحدد بما يستطيع أن يعرضه أمام الناس.

أما المجتمع، فيحتاج إلى إعادة تعريف النجاح نفسه؛ فليس الأكثر ظهورا هو بالضرورة الأكثر نجاحا، وليس الأكثر حديثا عن إنجازاته هو بالضرورة الأكثر إنجازا.


الحرب ليست على الأشخاص.. وإنما على منظومة تكافئ الصورة


وفي النهاية، تختصر الدكتورة هند فؤاد جوهر القضية في أن «المزيف» لا يصبح خطرا حقيقيا إلا عندما يجد بيئة تكافئه؛ فالمزيفون لا يمثلون مجرد أفراد يمارسون الخداع، وإنما يمكن أن يصبحوا مؤشرا على خلل أوسع في البيئة الاجتماعية والمؤسسية عندما تسمح لهم هذه البيئة بالحصول على المكانة والمكاسب دون امتلاك الاستحقاق الحقيقي، فالحرب ليست على الأشخاص، وإنما على منظومة تكافئ الصورة على حساب الحقيقة، والمجتمع القوي لا يقوم فقط على وجود أشخاص أكفاء، وإنما على وجود مؤسسات قادرة على اكتشاف الكفاءة الحقيقية ومكافأتها، وعلى منظومة قيم تجعل الصدق والعمل والإتقان أكثر ربحا اجتماعيا من التملق والتظاهر.

وبعبارة أكثر اختصارًا: عندما يصبح النجاح مرتبطا بما يبدو عليه الإنسان أكثر مما يقدمه فعليا، فإن المشكلة لا تعود في «المزيف» وحده، وإنما في المجتمع الذي أصبح يسمح للزيف بأن ينجح.

 

كيف يوظف منتحلو الصفات الرسمية ثقة المجتمع لخداع ضحاياهم

 

وفي نفس السياق، تقول أميرة مصطفى   خبير علم الاجتماع الرقمي بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن وقائع انتحال الصفات الرسمية، لم تعد كادعاء البعض أنهم مجرد حوادث احتيال فردية، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تكشف عن طبيعة العلاقة بين السلطة والرموز والثقة داخل المجتمع. بل وأصبحت نمطا عالميا من أنماط الاحتيال، حيث تشير بيانات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية إلى أن جرائم انتحال الصفة جاءت في صدارة بلاغات الاحتيال خلال عام 2025، مخلفة خسائر تجاوزت 3.5 مليار دولار، وتعكس هذه الأرقام أن قوة المحتال لا تنبع من شخصه، وإنما من قدرته على استغلال الرموز المتعلقة بالسلطة والهيبة والثقة الاجتماعية المترسخة بالأذهان لدى أبناء المجتمع لصالحه، مما يعزز من قدرة المحتال على إقناع أشخاص كثيرين بصدق روايته، رغم أن بعض الادعاءات قد تبدو غير منطقية عند التأمل فيها، مما يدفعنا إلى تجاوز التفسير التقليدي الذي يُرجع الأمر إلى ذكاء المحتال أو سذاجة الضحية، والنظر إلى الظاهرة باعتبارها نتاجا لبنية اجتماعية تمنح بعض الرموز والألقاب قوة استثنائية تجعلها قادرة على إنتاج الثقة والطاعة بصورة تلقائية.


ومن هنا يمكن فهم هذه الوقائع من خلال مفهوم رأس المال الرمزي الذي طرحه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، والذي يشير إلى المكانة والهيبة والاعتراف الاجتماعي الذي يكتسبه الأفراد أو المؤسسات، بحيث يصبح هذا الاعتراف في حد ذاته مصدرا للنفوذ والتأثير.


وأوضحت "مصطفي" أنه من هذا المنظور، فإن المزيف لا يمتلك رأس مال رمزي حقيقي، وإنما ينجح في الاستيلاء عليه مؤقتا من خلال محاكاة رموزه الخارجية. فهو يدرك أن المجتمع لا يتعامل مع الأشخاص بوصفهم أفرادا فقط، وإنما يتعامل أيضا مع ما يمثلونه من أدوار وصفات اجتماعية، لذلك يحرص على ارتداء الزي الرسمي، أو استخدام الألقاب الوظيفية، أو حمل بطاقات ومستندات مزورة، أو التحدث بلغة قانونية أو إدارية متخصصة، بل وقد يحيط نفسه بمظاهر الوجاهة والثراء والثقة بالنفس. هذه العناصر لا تمنحه شرعية قانونية، لكنها تمنحه ما يمكن تسميته بـ"الشرعية المتخيلة"، أي الشرعية التي تنشأ من اقتناع الآخرين بأنه بالفعل يشغل المنصب الذي يدعيه، وهنا تتحول الهيبة التي بنتها المؤسسات الرسمية عبر سنوات طويلة إلى مورد يستغله المحتال لتحقيق مصالحه، فيستعير رأس المال الرمزي للمؤسسة "الصفة المنتحلة" دون أن يكون جزءا منها.


وأضافت خبيرة علم الاجتماع: لا ينجح هذا الاستيلاء على رأس المال الرمزي إلا لأن المجتمع نفسه يشارك – دون قصد – في منحه الاعتراف الذي يبحث عنه. فالناس لا يمنحون ثقتهم للمزيف بسبب شخصه، وإنما بسبب المعاني التي ترتبط في أذهانهم بالصفة التي يدعيها، فالقاضي يرمز إلى العدالة، والضابط يرمز إلى فرض القانون، والطبيب يرمز إلى المعرفة والخبرة، ولذلك يميل كثير من الأفراد إلى التعامل مع أصحاب هذه الصفات بدرجة عالية من الثقة والاحترام، دون أن يخطر ببالهم التشكيك في هوياتهم، ويزداد هذا الميل في المجتمعات التي تمنح مكانة كبيرة للألقاب والمناصب، حيث يصبح اللقب في بعض الأحيان أكثر تأثيرا من الشخص نفسه، ومن ثم فإن نجاح المزيف لا يعتمد فقط على مهاراته الشخصية، بل يعتمد أيضا على وجود ثقافة اجتماعية تمنح الرموز سلطة واسعة، وتجعل الاعتراف بها يتم بصورة تلقائية وسريعة.


وأفادت خبيرة علم الاجتماع أنه يمكن تفسير هذه الظاهرة بصورة أعمق من خلال مفهوم العنف الرمزي عند "العالم بيير بورديو"، وهو ذلك النمط من الهيمنة الذي لا يعتمد على الإكراه المادي، وإنما على قبول الناس للسلطة باعتبارها أمرا مشروعا وطبيعيا، موضحة فالمزيف لا يجبر ضحاياه بالقوة، وإنما يجعلهم يخضعون له طوعا لأنه نجح في إقناعهم بأنه يمثل سلطة رسمية. وبمجرد تحقق هذا الاعتقاد، يبدأ الضحايا في تنفيذ أوامره، أو تسليمه أموالهم، أو الإفصاح عن بياناتهم الشخصية، أو منحه امتيازات لا يستحقها، دون أن يشعروا بأنهم يتعرضون للاحتيال. وهكذا يتحول الاعتراف الاجتماعي إلى وسيلة للهيمنة، ويصبح رأس المال الرمزي أداة لإنتاج سلطة وهمية تمارس تأثيرا حقيقيا على سلوك الأفراد، وهو ما يفسر لماذا يستطيع بعض المزيفين خداع أعداد كبيرة من الأشخاص لفترات طويلة.

ولا ينبغي تفسير تصديق الجمهور للمزيفين على أنه دليل على ضعف الوعي أو نقص الذكاء، بقدر ما يعكس طبيعة التنشئة الاجتماعية والثقافة السائدة. فالمجتمعات لا يمكن أن تستمر إذا تعامل أفرادها مع الجميع بمنطق الشك الدائم، لذلك تُبنى الحياة اليومية على قدر من الثقة في المؤسسات ورموزها. غير أن هذه الثقة قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما تنفصل عن ثقافة التحقق، فيصبح الزي الرسمي أو اللقب أو المظهر كافيا لإقناع الآخرين دون طلب دليل.

ولذلك فإن المشكلة لا تكمن في وجود الثقة ذاتها، بل في غياب التوازن بين الثقة والوعي النقدي، وبين احترام السلطة والقدرة على التحقق من مشروعيتها. فالمجتمع الواعي ليس هو المجتمع الذي يشك في الجميع، وإنما هو المجتمع الذي يحترم المؤسسات، وفي الوقت نفسه يمتلك الأدوات التي تمكنه من التمييز بين السلطة الحقيقية والسلطة المزيفة.


ومن ثم فإن التصدي لهذه الظاهرة، وفق ما اكدته "مصطفي" لا يقتصر على تشديد العقوبات القانونية بحق منتحلي الصفات الرسمية، وإنما يتطلب أيضا حماية رأس المال الرمزي للمؤسسات من الاستغلال، وذلك عبر نشر ثقافة التحقق، وتيسير وسائل التأكد من الهوية الوظيفية، وتعزيز الوعي الإعلامي بأساليب الخداع الحديثة، إلى جانب ترسيخ فكرة أن احترام المناصب لا يعني التسليم المطلق لمن يدعيها. فكلما ارتفع مستوى الوعي المجتمعي، تضاءلت قدرة المحتالين على توظيف الرموز لتحقيق أغراضهم، واستعاد رأس المال الرمزي وظيفته الأصلية باعتباره مصدرا للثقة والشرعية داخل المجتمع، لا وسيلة للخداع والهيمنة. وهكذا تصبح مواجهة المزيفين مسؤولية مشتركة بين القانون والمؤسسات والإعلام والمجتمع، لأنها في جوهرها معركة لحماية الثقة العامة من الاستغلال، وصون الرموز التي يقوم عليها النظام الاجتماعي من أن تتحول إلى أدوات في يد المحتالين.

 

سمات شخصية تتكرر في المحتالين

 

عرف محمد حمودة استاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر وزميل الجمعية الأمريكية للطب النفسي، المزيف أو المحتال بأنه غالبا لا يبيع منتجا بل يبيع قصة، فهو يعلم أن الإنسان يتخذ كثيرا من قراراته بالعاطفة أولا ثم يبحث عن المنطق لتبريرها لاحقا.


وأوضح "حمودة" هناك عدة سمات نفسية تتكرر لدى المحتالين المحترفين، وهي القدرة العالية على قراءة الآخرين يلاحظ احتياجاتهم ومخاوفهم بسرعة، الافتقار للتعاطف لا يشعر بالذنب وهو يستغل ضحيته، الثقة المبالغ فيها والكاريزما يتحدث وكأنه خبير لا يخطئ، التلاعب النفسي يستخدم الإلحاح والندرة وإيهام الضحية بأنها أمام فرصة لن تتكرر.. في بعض الحالات قد تظهر سمات من الشخصية السيكوباتية أو النرجسية، لكن ليس كل نصاب مصابا باضطراب في الشخصية.

 

وأوضح "خبير علم النفس" أن المحتال لا يعتمد على الكذب فقط، بل يعتمد على استغلال انحيازات عقلية معروفة، منها: الطمع أو الأمل في مكسب سريع، الخوف من ضياع الفرصة (FOMO)، السلطة الوهمية مثل ارتداء بدلة أو استخدام لقب “دكتور” أو “مستشار”، بناء الثقة تدريجيا يبدأ بطلب صغير ثم ينتقل إلى طلب أكبر.

لهذا نجد أن كثيرا من عمليات النصب الناجحة لا تعتمد على الذكاء الخارق، وإنما على فهم طبيعة اتخاذ الإنسان للقرارات.

وأجاب "حمودة" لماذا يبدو أن المصريين يُخدعون بسهولة؟ قائلا: لا أعتقد أنه من الدقة القول إن المصريين ينخدعون بسهولة أكثر من غيرهم، فالاحتيال ظاهرة عالمية، وتنجح في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا كما تنجح في مصر. لكن هناك عوامل قد تجعل بعض أنواع النصب تنتشر أكثر في أي مجتمع، منها:

الضغوط الاقتصادية التي تجعل الناس أكثر استعدادًا لتصديق وعود الربح السريع، ضعف الثقافة المالية والرقمية لدى جزء من المجتمع.الثقة الاجتماعية المرتفعة في الأقارب أو المعارف أو من يتحدث باللهجة المحلية، الانتشار السريع للشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الاعتماد على التوصية الشخصية أكثر من التحقق من المعلومات، إذا المشكلة ليست في “ذكاء” شعب بعينه، بل في الظروف التي تجعل بعض أساليب الاحتيال أكثر فعالية.


وأوضح "حمودة" أن المثير للاهتمام أن ضحايا النصب كثيرا ما يكونون أشخاصا أذكياء. فالمحتال المحترف لا يبحث عن الأقل ذكاء، بل يبحث عن الشخص الذي لديه حاجة عاطفية قوية: الربح، أو الأمان، أو العلاج، أو الشهرة، أو الانتماء. عندما تكون العاطفة قوية، يقل التفكير النقدي، فيصبح الإنسان أكثر قابلية للتأثر.


واختتم قائلا: هناك مقولة شائعة في علم النفس المعرفي تلخص ذلك: كل إنسان يمكن خداعه إذا صُممت الخدعة لتستغل احتياجا أو انفعالا يناسبه.

 

أستاذ قانون: انتحال الصفة يكشف قصورا في الرقابة


أكد أحمد كمال، أستاذ القانون بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، انتحال صفة الغير تعم جريمة عادية، إلا أن تركيز مواقع التواصل الاجتماعي على بعض الوقائع يعطي انطباعا بانتشارها، رغم أنها في الحقيقة لا تمثل ظاهرة منتشرة في المجتمع المصري.


وأشار أستاذ القانون إلى واقعة انتحال صفة القاضي، مرجحا أن الشخص الذي أقدم على ذلك قد يكون مريضا نفسيا، خاصة في ضوء ما تردد عن إنفاقه ملايين الجنيهات لتصوير الفيديوهات التي ظهر خلالها أمام المواطنين بهذه الصفة، مضيفا أن اختيار صفة القاضي تحديدا قد يكون مرتبطا برغبة الشخص في الحصول على الاحترام والتقدير من الآخرين، نتيجة شعوره بالنقص والحرمان من شيء لم يتمكن من تحقيقه في الواقع الحقيقي، فلجأ إلى استخدام انتحال هذه الصفة وإثباتها من خلال الاستعانة ببعض الأشخاص، على أساس أنه يمارس عمل القضاء.


ووصف أحمد كمال ما صدر عن الشخص من ادعاءات بأنه يمثل «كذب مفضوح»، موضحا أن أي شخص يستطيع اكتشاف أن هذه الصفة مزيفة، خاصة أن بعض المعلومات التي كان يرددها لا تتفق مع طبيعة عمل الجهة التي ادعى الانتماء إليها، فالشخص كان يقول إنه يعمل في مجلس الدولة، بينما كان يتطرق في بعض الفيديوهات إلى أنواع من القضايا التي لا ينظرها مجلس الدولة.


وعن كيفية نجاح الشخص في انتحال هذه الصفة لفترة طويلة، أوضح أستاذ الجريمة أن طبيعة الأشخاص الذين كان يتعامل معهم ساعدته على الاستمرار، مشيرا إلى أن معظم من تعامل معهم كانوا من الفئات قليلة الوعي التي لم تكن قادرة على اكتشاف حقيقة صفته، مؤكدا لو تعامل هذا الشخص مع أي جهة رسمية، لكان من الممكن اكتشافه منذ فترة زمنية كبيرة.


وتطرق أحمد كمال إلى واقعة انتحال صفة طبيب، موضحا أن ممارسة مهنة الطب تستلزم وجود جهة رقابية تابعة لوزارة الصحة تقوم بشكل دوري بالتفتيش على العيادات الخاصة، ومراجعة التراخيص والمستندات الخاصة بمزاولة المهنة، مشيرا إلى أن انتحال صفة الطبيب يكشف في هذه الحالة عن وجود قصور في الرقابة، لأن الشخص تمكن من فتح عيادة بشكل رسمي، في الوقت الذي يفترض فيه وجود جهات رقابية تقوم بالتفتيش الدوري على هذه العيادات، والتي يجب أن تشمل مراجعة تراخيص مزاولة المهنة والشهادات الخاصة بالممارسين، فضلا عن متابعة الإجراءات الطبية التي يتم اتخاذها، خاصة في العمليات والتخصصات الطبية المختلفة.


وأوضح "كمال" أن جرائم انتحال صفة الغير ترتبط في بعض الحالات بتزوير الأوراق والمستندات الرسمية، بهدف تأكيد الصفة التي يدعيها الشخص، مشيرا إلى أن القانون يتضمن نصوصا واضحة لمواجهة جرائم انتحال الصفة والتزوير، وتتضمن عقوبات تصل للحبس، وأن المشكلة لا تتعلق بقصور تشريعي، وإنما بضرورة قيام الأجهزة المعنية بدورها الرقابي.


أشار استاذ الجريمة إلى أن هناك جانبا اجتماعيا يساعد أحيانا على استمرار بعض حالات انتحال الصفة، يتمثل في أن قطاعا من المواطنين يرى أن مطالبة الشخص بإبراز بطاقة تحقيق الشخصية أو إثبات صفته قد تحمل نوعا من الإحراج أو عدم اللياقة، خاصة عندما يستخدم الشخص عبارات من قبيل: «إنت متعرفش أنا مين؟» أو «إنت متعرفش أنا ابن مين؟»، مختتما:  هذه الثقافة تجعل البعض يتردد في طلب إثبات الصفة أو التأكد من حقيقة شخصية من أمامه، خصوصا إذا كان يتحدث أو يتصرف بطريقة توحي بأنه صاحب منصب أو نفوذ، وهو ما قد يمنح منتحل الصفة مساحة للتحرك دون أن يواجه بالتحقق المباشر من هويته أو صفته الوظيفية.

 

نقلا عن العدد الورقي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق