زمن لوزة وسكرة!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
زمن لوزة وسكرة!, اليوم السبت 15 أغسطس 2026 12:01 مساءً

في هذا العالم المدهش، ووسط مسرحية هزلية سوداء تفوق خيال برنارد شو الذى أوجزها في جملته الشهيرة: “طريقتي في السخرية هي أن أقول الحقيقة.. فهي أطرف نكتة في العالم”، فقد تكتشف فجأة أن أقصى طموحات المواطن المطحون أن تبتسم له الأقدار لينال حظ الكلبة لوزة أو رفيقتها سُكرة!

 

ففي ظاهرة تعكس هوة مُرعبة من التفاوت الطبقي، اهتزت منصات التواصل الاجتماعي لإعلان استثنائي نشرته أسرة في التجمع الخامس عن مكافأة قدرها 2 مليون جنيه لمن يعثر على كلبتها المفقودة سُكرة، مؤكدين أن هذا الرقم لا يساوي لحظة رجوعها إلى بيتها! 

وقبلها بأيام، أعلنت الإعلامية ريهام سعيد عن مكافأة مالية ضخمة جدًا لمن يجد كلبتها لوزة المريضة التي فقدتها في الساحل الشمالي، وتحديدًا في مارينا.


نحن بالتأكيد لسنا ضد المشاعر الإنسانية، فالرفق بالحيوان فضيلة نبيلة، لكن المشهد المُدهش يجبرك على الضحك كالبكاء، حين تقرأ لغة الأرقام الموثقة؛ ففي بلد يعاني من شح النقد الأجنبي لاستيراد السلع الأساسية، بلغ حجم سوق أغذية الحيوانات الأليفة مستويات قياسية وصل في عام 2020 -على سبيل المثال- إلى حوالي 284.8 مليون دولار، وتضاعف في العام 2025 وفقًا لمصادر غير رسمية.. 

مستحوذًا فيه طعام الكلاب على 70% من الإنفاق، وبعد قفزات التضخم، تخطت أسعار العبوة الكبيرة من الطعام المجفف المستورد الفاخر حاجز الـ 15 ألف جنيه، لتتطلب الكلبة ميزانية شهرية تتجاوز الحد الأدنى لأجور البشر في مصر.

 

المفارقة الأكثر إيلامًا أن لوزة ورفيقاتها تتنقل بنعومة بين صيف مارينا وشتاء شرم الشيخ، وربما تخضع لجلسات باديكير حانية. بينما يمتد قطاع الرفاهية ليشمل فنادق (Pet Hotels) تصل تكلفة الإقامة فيها إلى ثلاثة آلاف جنيه في الليلة، وصالونات عناية وتجميل (Grooming ) تبلغ تكلفة قص الشعر فيها 550 جنيهًا كحد أدنى بحسب نوع الكلب أو الكلبة طبعا (ولوزة وسكرة طبعًا سعر أغلى يليق بمكانة الهوانم الاجتماعية). 

 

بل إن الطبقات الثرية تنفق ثروات لاقتناء سلالات كـ (Toy Poodle) التي يصل سعرها إلى 55,000 جنيه، أو تستورد سلالات عالمية ككلب (Tibetan Mastiff) الذي يتعدى ثمنه أكثر من عشرة آلاف دولار، أو الكلب الذئب التشيكوسلوفاكي بخمسين ألف دولار!

 

يحدث كل هذا البذخ المليوني، بينما لدينا ملايين من المصريين يعيشون تحت خط الفقر وفقًا لتقارير البنك الدولي والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وفي الوقت الذي رُصدت فيه الملايين للبحث عن لوزة وسُكرة، يوجد نحو ثلاثة آلاف طفل مفقود، بحسب إحصائيات غير رسمية لمؤسسات حقوقية، هؤلاء الأطفال يدور آباؤهم في حلقات مفرغة من القهروالألم والانتظار، دون أن تحظى صورهم بأناقة صور الكلاب المفقودة، أو حتى بمشاركة (Share) واحدة ترسل بريق أمل إلى بيوتهم المظلمة.. 

لقد تسابقت النخب لإنقاذ لوزة وسكرة بجيوش رقمية ومكافآت يسيل لها اللعاب، لعاب البشر! بينما يئن مريض الغلابة في طوابير الانتظار الطويلة أمام مستشفيات متهالكة كمعاهد الأورام أو الكبد أو القلب، بحثًا عن سرير أو جرعة علاج.

 

وحتى الموت، الذي كان يُفترض أن يكون العتبة التي يتساوى عندها الجميع، أصبح طبقيًا بامتياز بين ناسنا وكلابهم؛ إذ يعاني الآلاف من البشر من البحث عن مقبرة في أماكن كثيرة، وتُهدم بعض المقابر للمنفعة العامة. 

في المقابل، أسست الطبقة الأرستقراطية مقابر خاصة للكلاب داخل أماكن فارهة منها نادي الجزيرة الرياضي، الذي تصل تكلفة عضويته الحديثة إلى أكثر من مليون جنيه. هناك، تُدفن كلاب النخبة في مقابر تصل تكلفتها لعشرات الآلاف للمقبرة الواحدة، وتُزين بشواهد رخامية بيضاء وعبارات رثاء مؤثرة، في مشهد فخامة يتجاوز بكثير مقابر البشر بل وبيوت بعضهم أيضًا!

 

في النهاية، ليس كل من أزعجه هذا المشهد "باصص في عيشة غيره"، ولا نحن نطالب بانتزاع الرحمة أو القسوة على الحيوانات. نحن فقط نبكي إنسانيتنا، ونتعجب من اصطدام ثقافتين؛ ثقافة تفدي الكلب بالملايين، وثقافة تكافح لتوفير لقمة عيش وعلبة دواء، ومن يساعدهم على البحث عن مفقوديهم من البشر. 

 فقط نتمنى لأطفالنا المفقودين نصف الرحمة ونصف الإنسانية ونصف الشغف، ونصف الشحتفة، ونصف المكافآت التي رُصدت للبحث عن لوزة وسُكرة وكلاب هوانم الساحل الشمالي والتجمع الخامس، عسى أن يكمل الغلابة حياتهم، ويرحلوا عن هذا العالم، وهم فقط، مستورين في زمن لوزة وسُكرة!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق