نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الشماتة المرفوضة!, اليوم السبت 22 أغسطس 2026 12:46 مساءً
اتفقنا أو اختلفنا مع الإعلامي أحمد موسى، وأيدنا أو رفضنا ما يقدمه، فلا مكان للشماتة في المرض؛ فالمرض ليس موقفًا سياسيًا، والاختلاف لا يسقط حق الإنسان في الرحمة، والشماتة ليست من أخلاقنا ولا من قيمنا ولا مما تقبله شريعتنا. لكن رفض الشماتة لا يمنع السؤال عن أسبابها.
لماذا يفرح بعض الناس بمرض إعلامي، بدل أن يتعاطفوا معه؟ لا بحثًا عن عذر للشماتة، فهي مرفوضة مهما كانت أسبابها، وإنما بحثًا في الرسالة التي تحملها هذه الظاهرة. فحين يتحول أحد أبرز الوجوه الإعلامية إلى مادة للخصومة حتى في مرضه، فربما كان علينا أن نسأل: هل تراكم لدى بعض الجمهور غضب من خطاب إعلامي يشعر أنه لا يمثله، ولا يسمعه، ولا يترك له مساحة كافية للاختلاف؟
لا يصح أن نجعل من تعليقات مواقع التواصل مقياسًا للرأي العام، لكن لا يصح أيضًا أن نتجاهل إشاراتها حين تتكرر وتصبح ظاهرة تستحق التأمل. فالمشكلة عندئذ لا تكون في الجمهور وحده، وإنما في الشاشة التي صنعت هذه المسافة بينهما.
ومن هنا يصبح أحمد موسى، بما يمثله من حضور إعلامي بارز، مدخلًا إلى سؤال أكبر: هل نجح إعلامنا في بناء علاقة ثقة مع جمهوره؟
والسؤال يكتسب راهنيته من بيان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، الذي دعا إلى إعلام أكثر موضوعية، وإلى عرض مختلف وجهات النظر، وإتاحة مساحة لقضايا الناس وآرائهم ومشكلاتهم، مؤكدًا المهنية وحرية النقد واحترام الرأي الآخر، وربط ذلك بقدرة الإعلام على رفع الوعي بالتحديات التي تواجه الدولة والمجتمع.
لا خلاف على صحة هذه المبادئ، لكن أزمة الإعلام المصري لم تعد في نقص البيانات ولا في غياب الدعوات إلى الإصلاح، وإنما في المسافة المزمنة بين ما يقال وما يُرى على الشاشة. لقد قيل كثيرًا عن الموضوعية وتعدد الآراء واستعادة ثقة الجمهور، ثم بقي السؤال الأهم معلقًا: متى يتحول الكلام عن الإصلاح إلى ممارسة فعلية؟
فالدولة التي تواجه تحديات داخلية وإقليمية واقتصادية تحتاج إلى إعلام يملك ثقة الناس؛ إعلام يشرح ولا يلقن، يناقش ولا يملي، يسأل ولا يكتفي بالإجابة الجاهزة، ينقل قلق المواطن قبل أن يتحول إلى غضب، ويعرض الإنجاز بلا مبالغة والمشكلة بلا تهويل.
فالحقيقة وحدها لا تكفي إذا صدرت من شاشة فقدت ثقة جمهورها. وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل الوجوه الإعلامية القائمة الآن تملك الحد الأدنى من القبول والثقة الذي يجعلها قادرة على أداء هذه المهمة؟
ليس المطلوب أن يحب الجمهور الإعلامي، ولا أن يقدم الإعلام ما يحبه الناس، وإنما أن يقدم ما يحتاجون إليه بالطريقة التي تجعلهم مستعدين لسماعه. فالإعلام الناجح ليس الذي يرضي الجمهور، بل الذي يقنعه بجدارة ما يقدمه، حتى حين يختلف معه.
هل يستطيع الإعلامي أن ينتقد قرارًا دون أن يصبح خصمًا، وأن يدافع عنه دون أن يبدو مروجًا؟ وهل يستطيع المواطن أن يختلف مع الشاشة دون أن يشعر أن اختلافه اتهام أو إدانة؟ هذه ليست أسئلة عن أحمد موسى وحده، ولا عن إعلامي بعينه؛ إنها أسئلة عن منظومة كاملة.
ولذلك فإن الشماتة في مرض موسى مرفوضة أخلاقيًا وإنسانيًا، لكن تجاهل ما تكشفه من احتقان لن يحل المشكلة. فبدل أن نكتفي بإدانة الشامتين، ربما كان الأجدى أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا في صناعة الإعلام حتى اتسعت هذه المسافة بين بعض الشاشات وبعض جمهورها؟
إن مراجعة الإعلام لم تعد ترفًا، ولا تحتمل موسمًا جديدًا من البيانات والمؤتمرات. إنها ضرورة؛ لأن الإعلام الذي يفقد ثقة الناس يفقد جزءًا أساسيًا من قدرته على خدمة الدولة والمجتمع. وقبل أن نتحدث عن تطوير السياسات والأدوات والبرامج، علينا أن نجيب عن الأسئلة الأصعب:
هل ما يقدمه إعلامنا هو فعلًا ما تحتاجه مصر في هذه اللحظة؟ وهل يقدمه بالطريقة التي تجعله مقبولًا ومؤثرًا؟ وهل وجوهه الإعلامية تملك من الثقة والقبول ما يكفي لحمل رسالته؟
ربما تكون الشماتة في مرض إعلامي مرفوضة، لكنها في الوقت نفسه جرس إنذار. والعاقل لا يكسر جرس الإنذار لأنه أزعجه؛ بل يبحث عن مصدر الخطر.


















0 تعليق