أصبحت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية التي يمكن اختزالها في حسابات الربح والخسارة الآنية، لتكشف عن قصور بنيوي عميق في التقدير الاستراتيجي لطبيعه الدولة الإيرانية وتعقيد أدوارها ووظائفها المتداخلة إقليميًا ودوليًا،إذ بُنيت هذه الحرب على فرضية في الأدبيات الكلاسيكية عن “الضربة القاطعة”Decapitation strike، قوامها أن استهداف القيادات السياسية والدينية والعسكرية والأمنية من شأنه أن يُحدث شللاً مركزيًا يُفضي إلى انهيار سريع في بنية النظام، بما يمهّد الطريق نحو نصر حاسم. غير أن هذه المقاربة أغفلت حقيقة أن إيران لا تُدار كنظام هرمي تقليدي يمكن إسقاطه عبر تفكيك قمته، بل كمنظومة متعددة المستويات، تتداخل فيها السلطة الرسمية مع بنى موازية ذات طابع عقائدي وأمني، ما يمنحها درجة عالية من القدرة على الاستمرار حتى في ظل فقدان مراكزها القيادية.
وعلاوة على ذلك، لم تُحسن هذه الاستراتيجية تقدير ديناميكيات “الحرب غير المتماثلة” Asymmetric Warfare حيث لا يُقاس البقاء بسلامة المركز القيادي بقدر ما يُقاس بقدرة الشبكات والأطراف المرتبطة به على مواصلة الفعل والتأثير. فحتى في ظل تعرض البنية القيادية لضربات موجعة، تبقى أدوات التأثير قائمة وقادرة على إطالة أمد الصراع ونقله إلى ساحات متعددة، بما يحول دون تحقق حسم سريع. وفي هذا السياق، يتراجع التفوق العسكري التقليدي ليغدو أداة محدودة الفاعلية أمام خصم يعتمد على التشتيت والمناورة وتعدد مسارح العمليات.
وهكذا، تحولت الضربة التي كان يُراد لها أن تكون حاسمة إلى عامل تفكيك جزئي لا يقود إلى انهيار القدرة على الاستمرار، بل قد يفضي إلى إعادة تشكيلها بصورة أكثر تشدداً وانتشارًا وتعقيدًا. وبدلًا من إنهاء الحرب، تنزلق المواجهة إلى منطق “الاستنزاف المفتوح”، حيث تتآكل قدرات الأطراف تدريجيًا ضمن تفاعل طويل الأمد، دون أن يمتلك أي طرف القدرة على فرض نهاية واضحة أو تسوية نهائية مُلزمة
فهذه الحرب سرعان ما تجاوزت حدودها الإقليمية لتتحول إلى صراع ذي تداعيات عالمية، ليس فقط بفعل موقع إيران الجيوسياسي، بل بسبب ارتباطها بعقدة حيوية في منظومة الطاقة العالمية. فالتأثير على تدفقات البترول والغاز، سواء بشكل مباشر أو عبر التهديدات المستمرة لمضيق هرمز، أعاد صياغة معادلة المخاطر في الاقتصاد الدولي. ولم يعد السؤال متعلقًا بقدرة الأطراف على الانتصار، بل بمدى قدرة النظام العالمي على تحمّل كلفة صراع طويل في منطقة تشكل أحد أعمدته الأساسية. وفي هذا السياق، تبرز الحرب بوصفها “أداة للاضطراب استراتيجي” تتجاوز أهدافها العسكرية المباشرة لتطال بنية النظام الاقتصادي العالمي ذاته.
في خضم هذا المشهد، وعلى الرغم من عدم انهيار النظام، تبدو إيران وكأنها تفتقر إلى مركز قرار واضح ومتماسك قادر على خوض مفاوضات نهائية ملزمة. فغياب الطرف القادر على الالتزام الكامل لا يعقّد مسار التسوية فحسب، بل يُنتج معضلة أعمق تتعلق بطبيعة أي اتفاق محتمل، إذ يجعله هشًّا بطبيعته، قائمًا على توازنات غير مكتملة، وقابلًا للانهيار مع أول اختبار جدي على مستوى التنفيذ أو الضمانات.
ومن ثم، فإن الأزمة لا تتجلى فقط في تعثر آليات التفاوض، بل في غياب “الشريك الإيراني القادر على الالتزام” كفاعل استراتيجي موحّد، وهي معضلة بنيوية تلازم الصراعات الممتدة حين تتفكك سلطة القرار بين مستويات متعددة ومراكز نفوذ متداخلة، يصعب إخضاعها لمنطق تعاقدي واحد أو إلزامها بسلوك تفاوضي متسق
فما يتكشف في هذا السياق لا يندرج ضمن نمط الحروب التقليدية ذات النهايات المحددة، بل يقترب من “حالة صراع ممتد بلا حسم”، تُدار فيها المواجهة بمنطق إدارة الأزمات أكثر من السعي إلى تسويتها جذريًا. فالأطراف الفاعلة تبدو غير قادره علي تحقيق الانتصار الكامل، خاصه وأن الطرف الإيراني لا يملك القدره علي تقديم التنازلات الاستراتيجيه الجوهرية التي يمكن أن تُبنى عليها تسوية مستقرة.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل استراتيجي لا يمكن تجاوزه: إذا كانت إيران تؤكد الطابع السلمي لبرنامجها النووي، فما الذي يبرر الوصول إلى مستويات تخصيب تتجاوز بكثير متطلبات الاستخدامات السلميه المدنية؟ إن المعطيات المتداولة حول امتلاكها مخزونًا من اليورانيوم عالي التخصيب يكفي لإنتاج نحو إحدى عشرة قنبلة نووية، تفتح الباب أمام قراءة أكثر وضوحًا مفادها أن هذا المسار يقترب من التحول إلى دولة نووية بالفعل، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على توازنات القوي الإقليمية . فمثل هذا التحول لن يقتصر أثره على تعزيز القدرات الدفاعية، بل سيعيد صياغة موازين القوة ويفتح الباب أمام سباق تسلح واسع، خاصة في ظل سجل من التمدد الإقليمي وبسابق التباهي الإيراني بامتلاك نفوذ مؤثر في سوريا والعراق ولبنان واليمن، والسعي إلى توظيف البعد المذهبي في دول الخليج.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط عن طبيعة البرنامج، بل عن الأهداف النهائية التي يسعى إليها النظام الإيراني، وما إذا كانت هذه القدرة ستُستخدم كأداة ردع دفاعية أم كرافعة استراتيجية لإعادة تشكيل توازنات القوي الاقليميه على أسس جديدة. وفي ضوء هذه المعطيات، يصبح من الطبيعي أن يدفع هذا المسار الخصوم، على اختلاف طبيعتهم وتباين مصالحهم، إلى تبني أو تأييد استراتيجيات قائمة على “المنع بالقوة” بدلًا من سياسات الاحتواء، باعتبارها الخيار الوحيد المتاح للحيلولة دون ترسخ واقع نووي جديد يصعب تغييره لاحقًا.
ومن منظور قانوني-استراتيجي، تعكس هذه الحرب مفارقة حادة في النظام الدولي. فمن جهة، يمثل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي، ويعيد طرح إشكالية “شرعية استخدام القوة” خارج الأطر المؤسسية الدولية. ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا الهجوم عن سياق سابق اتسم بسياسات إيرانية توسعية اعتمدت على بناء نفوذ عابر للحدود عبر فاعلين غير رسميين، ما أسهم في تقويض سيادة الدول وإضعاف استقرارها. هذه الازدواجية تكشف حدود النظام الدولي ذاته، الذي يعجز عن احتواء التهديدات غير التقليدية، كما يفشل في ضبط استخدام القوة من قبل الدول الكبرى، ما يخلق بيئة فوضوية يصبح فيها الصراع هو القاعدة لا الاستثناء.
وفي هذا السياق، يبرز موقف لافت لمختلف الدوائر الدولية، التي وإن لم تُبدِ تأييدًا صريحًا أو إعجابًا بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ولا بأسلوب إدارتها أو بالشخصيات الامريكيه والاسرائيليه القيادية التي تقف خلفها، فإنها في الوقت ذاته لا تُظهر تعاطفًا مع نظام الملالي في إيران. فقد ترسخت لدى قطاعات واسعة من المجتمع الدولي قناعة بأن السياسات الإيرانية أسهمت بشكل مباشر في زعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي عبر تدخلات ممتدة وشبكات نفوذ عابرة للحدود. كما أن توظيف القضية الفلسطينية ضمن هذه الاستراتيجية لم يؤدِ إلى دعمها بقدر ما أضعفها، إذ جرى إدخالها في صراعات إقليمية معقدة لتجد نفسها اليوم، وللمرة الأولى، أمام خطر حقيقي يتمثل في احتمالات التصفية الكاملة ضمن ترتيبات سياسية جديدة تعيد رسم خريطة المنطقة.
وفي موازاة ذلك، يتزايد تركيز مختلف الدوائر العالميه على ضمان سلامة الملاحة واستقرار تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، بما يفوق في أحيان كثيرة الاهتمام بتفاصيل المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. ويعكس ذلك تحوّل مركز الثقل في الإدراك الدولي من منطق الصراع العسكري ذاته إلى تداعياته المباشرة على أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد العالمي، حيث يغدو تأمين الممرات الحيوية أولوية تتقدم على المشهد العسكري والسياسي المعقد
وبالتالي، يتجه الصراع إلى إعادة إنتاج ذاته عبر دورات متكررة من التصعيد والتهدئة، دون أن يفضي أيٌّ منها إلى تغيير حاسم في بنية التوازن القائم أو في قواعد الاشتباك الحاكمة له. وهكذا، تبدو هذه المواجهة أقرب إلى “حرب بلا نهاية” بالمعنى التقليدي، حيث يتراجع منطق التسويات السياسية والدبلوماسية لصالح منطق إدارة الردع المتبادل، وتتحول فرص الاستقرار من حالة قابلة للاستقرار المستدام إلى وضعٍ مؤقت، داخل بيئة دولية تتسم بتزايد السيولة الاستراتيجية واتساع نطاق عدم اليقين.
السفير عمرو حلمي















0 تعليق