جيش اللصوص.. وصمة تطارد قوات الاحتلال من بن جوريون إلى زامير

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يظل مصطلح جيش اللصوص لعنة تطارد قوات الاحتلال الإسرائيلي على مدار تاريخها،​ فبينما يتباهى الساسة في تل أبيب بأنهم يمتلكون القوة العسكرية الأكثر انضباطا، تظهر الحقائق على الأرض صورة مغايرة تماما لما تروج له الدعاية الرسمية، إن ما يشهده الميدان حاليا يعيد للأذهان سجلات قديمة من التجاوزات التي ارتبطت بمسيرة المؤسسة العسكرية منذ اللحظات الأولى لتأسيسها.

​وحسب تقرير لـ قناة القاهرة الإخبارية، فإن سلسلة من الشهادات التاريخية والحديثة الموثقة بدأت تظهر للعلن، كاشفة عن ظاهرة نهب منظمة. 

هذه الممارسات لم تكن مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولت إلى نهج يتكرر في كل مواجهة عسكرية يخوضها الاحتلال. تبرز هذه الشهادات كيف تحولت ممتلكات المدنيين إلى غنائم مستباحة أمام أعين القادة الذين يغضون الطرف عن هذه الجرائم الأخلاقية والقانونية.

جذور النهب وتصريحات القادة المؤسسين للدولة

​تعود جذور هذه الظاهرة إلى بدايات عام ثمانية وأربعين، حيث وثق المؤرخون الأوائل عمليات سلب واسعة النطاق للممتلكات العربية. في تلك الفترة، لم تكن السرقات مقتصرة على صغار الجنود، بل شملت قطاعات واسعة من المجتمع الناشئ آنذاك.

تعكس الوثائق التاريخية حالة من الذهول أصابت بعض القادة من حجم الجشع الذي أظهره المستوطنون والمقاتلون تجاه بيوت ومتاجر الفلسطينيين الذين هجروا قسرا.

​وقد سجلت محاضر الاجتماعات الرسمية كلمات قاسية نطق بها دافيد بن جوريون، أول رئيس وزراء للاحتلال، واصفا المشهد بمرارة شديدة. صرح بن جوريون علانية بأن معظم اليهود في تلك الفترة تورطوا في أعمال نهب وسرقة، مؤكدا أنها حقيقة مؤلمة لا يمكن إنكارها. كانت تلك التصريحات بمثابة اعتراف مبكر بأن الجيش الإسرائيلي يواجه أزمة أخلاقية بنيوية تتعلق باحترام الملكية الخاصة في أوقات الحروب.

​ويشير المؤرخ آدم راز في أبحاثه إلى أن عمليات النهب انتشرت كالنار في الهشيم، ولم تسلم منها حتى المدن الكبرى مثل يافا. يروي راز كيف أن الرسائل المتبادلة بين القادة كانت تضج بالشكاوى من تحول الجنود إلى لصوص يستهدفون السجاد والأثاث والمجوهرات. ورغم الإدانات الشفهية التي صدرت عن القيادة السياسية، إلا أن الواقع العملي كان يشير إلى تواطؤ يسمح باستمرار هذه السرقات.

​كما بعث الرئيس الثاني يحيى بن تسفي برسائل تحذيرية إلى الحكومة، مشيرا إلى أن أشخاصا يوصفون بالمحترمين يشاركون في عمليات السلب. كان التصور السائد بين هؤلاء هو أن الاستيلاء على ممتلكات "الغائبين" أمر طبيعي ومباح، مما خلق بيئة خصبة للجريمة المنظمة. هذه الروح الانتقامية والجشعة أسست لثقافة داخل المؤسسة العسكرية جعلت من النهب جزءا لا يتجزأ من العمليات الميدانية اللاحقة عبر العقود.

حروب التوسع واتساع رقعة السلب في الجولان وقلقيلية

​لم تتوقف هذه الممارسات عند حرب التأسيس، بل امتدت لتشمل كافة الجبهات التي وصل إليها الجيش الإسرائيلي في سنوات لاحقة. خلال حرب عام سبعة وستين، رصدت تقارير دولية وعسكرية عمليات نهب واسعة في هضبة الجولان السورية المحتلة. اشتملت المسروقات على كل ما يمكن حمله من منازل المواطنين السوريين ومتاجرهم، بدءا من الأجهزة الكهربائية وصولا إلى الحلي الذهبية والمقتنيات الشخصية الثمينة.

​وفي مدينة قلقيلية، شهدت شوارع المدينة قوافل مدنية وعسكرية تعمل على نقل معدات المدارس والمنشآت العامة إلى داخل حدود الاحتلال. كانت تلك العمليات تتم بشكل علني ومنظم، مما يعكس غياب أي وازع قانوني أو عسكري يمنع مثل هذه الانتهاكات الصارخة. لقد تحولت الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية إلى فرصة للإثراء غير المشروع على حساب المدنيين العزل والمؤسسات التعليمية.

​وقد قدمت الحكومة السورية في ذلك الوقت شكاوى رسمية إلى الأمم المتحدة، موثقة حجم الدمار والسرقة التي تعرضت لها القرى المهجرة. تضمنت الشكاوى تفاصيل دقيقة عن نقل محتويات المنازل والمزارع بشكل ممنهج تحت إشراف قادة ميدانيين. ورغم وجود مراقبين دوليين، إلا أن آليات النهب كانت أسرع من أي تدخل دبلوماسي، مما كرس صورة "جيش اللصوص" في الوجدان العربي والعالمي.

​حتى في حملة سيناء عام ستة وخمسين، لم تكن الأوضاع أفضل حالا، حيث أبلغ نواب رئيس الأركان عن تجاوزات مماثلة في قطاع غزة. تم رصد جنود وهم يستولون على بضائع التجار وأموال الصرافة تحت تهديد السلاح، في مشهد يفتقر لأدنى معايير الشرف العسكري. هذه التراكمات التاريخية تثبت أن الظاهرة ليست خللا مؤقتا، بل هي صفة ملازمة لتحركات الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

لبنان والانتفاضة وشهادات جنود الاحتياط الصادمة

​خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان في مطلع الثمانينيات، وثق الضباط أنفسهم فظائع تتعلق بنهب البيوت اللبنانية الفاخرة والمحال التجارية الكبرى. يروي الضابط دوف يرميا في شهادته كيف كان كبار القادة يتسابقون للحصول على الغنائم من المناطق المنكوبة. كانت السيارات العسكرية تعود محملة بالأثاث والسجاد الفاخر، في ظل محاولات مستميتة من الرقابة العسكرية لمنع الصحفيين من توثيق هذه الفضائح التي تسيء لسمعة الدولة.

​ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام سبعة وثمانين، انتقلت عدوى النهب إلى داخل المدن والمخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة. جمع جنود احتياط شهادات تؤكد أن العنف الممارس ضد الفلسطينيين كان يرافقه غالبا سرقة ممتلكاتهم الخاصة أثناء عمليات التفتيش والمداهمة. كان الجنود يستغلون حالة حظر التجوال للدخول إلى المنازل والاستيلاء على ما خف حمله وغلا ثمنه، بعيدا عن أعين الكاميرات ووسائل الإعلام.

​وأكدت شهادات رولي روزن وإيلانا هامرمان أن الواقع الميداني كان أبشع بكثير مما تنقله التقارير الصحفية الرسمية في ذلك الوقت. كان هناك تعمد واضح لمنع المراسلين من الوصول إلى مناطق العمليات لضمان عدم افتضاح أمر الجنود اللصوص. هذه القيود المفروضة على الإعلام لم تكن لحماية أمن العمليات، بل كانت ستارا لإخفاء جرائم السرقة الممنهجة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق المدنيين العزل.

​وفي حرب لبنان الثانية والعمليات اللاحقة، استمر النمط ذاته، حيث أفاد جنود بأنهم شاهدوا زملائهم يسرقون دراجات وسجائر وأجهزة إلكترونية. كانت هذه المسروقات توضع في السيارات العسكرية الخاصة بالجنود أو تترك في العلن دون أي خوف من العقاب. تعكس هذه اللامبالاة قناعة راسخة لدى الجنود بأن القيادة لن تحاسبهم على سلب ممتلكات "الأعداء"، مما جعل الجريمة فعلا مقبولا اجتماعيا وعسكريا.

تحذيرات زامير المعاصرة ووصمة العار العسكرية

​في الوقت الراهن، عاد الجدل ليشتعل من جديد مع التصريحات الصادمة التي أدلى بها رئيس الأركان إيال زامير في مؤتمر القيادة العليا. وصف زامير ظاهرة النهب بأنها وصمة عار تلطخ جبين المؤسسة العسكرية بأكملها، محذرا من تحول القوات إلى عصابات من اللصوص. جاءت هذه التحذيرات بعد تقارير استخباراتية وميدانية تؤكد تفشي السرقات في مناطق القتال الحالية بشكل لا يمكن السكوت عنه أو إخفاؤه.

​وتشير صحيفة هآرتس العبرية إلى أن الشهادات الحالية القادمة من جنوب لبنان وقطاع غزة تؤكد أن النهب يتم على نطاق واسع. يروي جنود احتياط كيف يتم استهداف المتاجر التي تركها أصحابها، حيث يتم إفراغها من محتوياتها بالكامل ونقلها إلى داخل إسرائيل. هذه الممارسات لا تقتصر على الاحتياجات الشخصية البسيطة، بل تشمل بضائع تجارية ومعدات ثقيلة، مما يشير إلى تورط شبكات منظمة داخل الوحدات القتالية.

​ويعبر القادة الصغار في الميدان عن شعورهم بالعجز أمام هذه الظاهرة، حيث يرون القادة الكبار يتجاهلون البلاغات المقدمة بهذا الشأن. إن غياب الإجراءات الرادعة جعل الجنود يشعرون بأن ممتلكات المدنيين هي حق مكتسب لهم نتيجة مشاركتهم في القتال. هذا الانحدار الأخلاقي يثير مخاوف جدية داخل المجتمع الإسرائيلي حول مستقبل الانضباط العسكري وقدرة القيادة على السيطرة على تصرفات أفراد الجيش الإسرائيلي.

​لقد تحولت كلمات زامير "لن نكون جيشا من اللصوص" إلى مادة للسخرية بين الجنود الذين يمارسون النهب بشكل يومي في غزة. فبينما تتحدث القيادة عن الأخلاق في المؤتمرات الصحفية، تظهر الصور المسربة من هواتف الجنود تفاخرهم بالمسروقات داخل المنازل المدمرة. هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني يعمق الأزمة الأخلاقية ويؤكد أن المؤسسة العسكرية تعاني من خلل بنيوي عميق وتاريخي.

آلية التغطية الممنهجة وغياب المحاسبة القانونية

​تؤكد التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات مثل "كسر الصمت" أن هناك تجاهلا متعمدا من القيادات العليا لظاهرة السرقة والسلب. منذ بداية الحروب الأخيرة، لم يتم تسجيل سوى حالات نادرة جدا للمحاسبة القانونية، وغالبا ما تنتهي بصفقات إقرار بالذنب مخففة. هذا الغياب الفعلي للمساءلة يعطي الضوء الأخضر للجنود للاستمرار في نهب ممتلكات الفلسطينيين واللبنانيين دون أي وازع من ضمير أو خوف من قانون.

​وتكشف الوثائق الأرشيفية أن هذا النمط من الإفلات من العقاب يعود إلى عام تسعة وأربعين، حيث كان يتم إطلاق سراح اللصوص بضمانات بسيطة. في العديد من الحالات، كان يتم التدخل من قبل قادة رفيعي المستوى لحماية جنودهم المتورطين في سرقات كبرى بدواعي الحفاظ على المعنويات. هذه الحماية الممنهجة حولت الجيش الإسرائيلي إلى بيئة آمنة للمجرمين الذين يستغلون نفوذهم العسكري لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.

​وحتى عندما تظهر شكاوى رسمية من المواطنين أو المنظمات الدولية، فإن الرد العسكري غالبا ما يكون بالإنكار أو الادعاء بأنها حوادث فردية. تعكس هذه السياسة رغبة الدولة في الحفاظ على صورة "الجيش الأخلاقي" أمام المجتمع الدولي، حتى لو كان ذلك على حساب الحقائق الموثقة. إن التضحية بالعدالة والمبادئ الأخلاقية أصبحت ثمنا مقبولا لدى القيادة السياسية والعسكرية مقابل الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية للجيش.

​في نهاية المطاف، يبقى التاريخ شاهدا على أن ظاهرة النهب هي جزء أصيل من العقيدة القتالية الممارسة على الأرض لـ جيش اللصوص بعيدا عن الشعارات. 

من بن جوريون الذي اعترف بلصوصية المجتمع الناشئ، إلى زامير الذي يخشى من وصمة العار، تظل السرقة خيطا يربط أجيال المقاتلين. إن مواجهة هذه الحقيقة تتطلب أكثر من مجرد تصريحات إعلامية، بل تستدعي ثورة في القيم والمحاسبة داخل أروقة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية المتعاقبة.

الجيش الإسرائيلي أمام مرآة الحقائق الأخلاقية المريرة

​إن استمرار هذه الظاهرة يعزز من فقدان الثقة العالمي في الرواية الرسمية التي تحاول تجميل صورة الاحتلال وأدواته العسكرية المختلفة. الشهادات التي يوثقها الجنود أنفسهم هي الدليل الأقوى على أن الانتهاكات ليست مجرد أخطاء ميدانية، بل هي انعكاس لثقافة الاستعلاء والاستباحة. ومع تزايد الضغوط الدولية والملاحقات القانونية، قد تجد إسرائيل نفسها مجبرة على مواجهة هذا السجل الأسود الذي بدأ منذ عقود طويلة.

​لقد أثبتت سنوات الصراع أن السلاح في يد من لا يحترم حقوق المدنيين يتحول سريعا إلى أداة للجريمة المنظمة والسلب المنهجي.

 إن جيش اللصوص اليوم يقف أمام اختبار تاريخي، فإما أن يطهر صفوفه من هذه الوصمة أو يظل مرتهنا لصورة "جيش اللصوص". والوقائع الحالية تشير إلى أن الطريق نحو الإصلاح لا يزال طويلا ومسدودا بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لمحاسبة المذنبين وتدشين عهد جديد.

​جيش اللصوص . يظل صدى كلمات بن جوريون يتردد في أروقة الكنيست وهيئة الأركان، مذكرا الجميع بأن الجذور الأخلاقية للدولة بنيت على أنقاض ممتلكات منهوبة. إن التاريخ لا ينسى، والشهادات الموثقة ستبقى تطارد القادة والجنود مهما حاولوا التستر خلف شعارات الطهرانية العسكرية الزائفة. فالحقيقة المرة التي كشفتها تقارير "هآرتس" والقاهرة الإخبارية تؤكد أن النهب هو الوجه الآخر للاحتلال الذي لا يمكن طمسه أو إنكاره.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق