أخبار مصر

فراج إسماعيل يتساءل: هل انتهت فرصة إقامة الدولة الفلسطينية نهائياً؟

فراج إسماعيل يكتب: هل وُئِدَت الدولة الفلسطينية إلى الأبد؟

تشهد المنطقة خرائط جديدة بعد حرب إيران تخلو من “فلسطين”، وتظهر اتفاقيات إبراهام كأنها شهادة وفاة لحل الدولتين، حيث يُقال إن 7 أكتوبر قد كتب نهاية حلم الدولة الفلسطينية. عقب هذا التاريخ، عززت إسرائيل من توحشها وممارساتها الوحشية ضد الفلسطينيين.

ولكن هذه المقولة قد تكون مضللة، إذ لم يكن هناك إجماع في أي حكومة إسرائيلية على قبول الدولة الفلسطينية. لو لم يحدث تصعيد 7 أكتوبر، لواصلت حكومة نتنياهو استراتيجيتها الإبادية ضد الفلسطينيين دون تبريرات إضافية، لأنها لطالما كانت تنتهج سياسة القتل والجرائم الجماعية.

ما الذي تغير إذاً؟ الإجابة تكمن في تحول الأوضاع الدولية، حيث لم يعد هناك قانون دولي مؤثر يُمكن اللجوء إليه، مما سمح لإسرائيل بتصعيد عملياتها في غزة حتى بعد توقيع اتفاقيات السلام، دون أي لوم يذكر.

يبدو أن إسرائيل تتحدى “ترامب” كمفاوض للسلام، لكنها في الواقع حصلت على تفويض غير مشروط منه لمواصلة ارتكاب الفظائع ضد المدنيين البسطاء، حيث لا تتضمن المخيمات الفلسطينية مسلحين بل أطفال ونساء ومرضى.

بعد زيارة جاريد كوشنر، صهر “ترامب” ومبعوثه، شهدت إسرائيل تصعيداً عنيفاً أدت إلى مقتل العشرات دون مبرر واضح. “ترامب” يبرر هذه المجازر بحجة الانتخابات، وكأن “نتنياهو” لا يمكنه البقاء إلا عن طريق سفك دماء الأبرياء.

وعندما أعلن “نتنياهو” رفضه لبنود اتفاق غزة، اعتبر “ترامب” ذلك مجرد خطاب للانتخابات، مما يعكس عدم وجود أي أمل حقيقي لأفق الدولة الفلسطينية.

سواء فاز المتطرفون أو خسروا، فإن أي حكومة إسرائيلية لن تدخل في مفاوضات جادة بشأن إقامة دولة فلسطينية، وستبقى الولايات المتحدة بعيدة عن هذا الهدف خلال فترة ولاية “ترامب” وما بعدها.

ما يحدث في الضفة الغربية من هدم واعتداء على مباني الأونروا هو استعداد لتهجير الفلسطينيين، فما لم يعد يقتصر على غزة بل يتسرب إلى كافة الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك من حصلوا على الجنسية الإسرائيلية في أراضي 1948.

أين سيذهب الفلسطينيون؟ الحل المقترح من ثلاثي “نتنياهو” وبن غفير وسموتريتش هو اللجوء للدول المجاورة، في الوقت الذي تسعى الاتفاقيات الإبراهيمية لتأمين تطبيع مجاني قد يتسبب في دفن حلم الدولة الفلسطينية مستقبلاً.

إذا ما تحققت تطلعات “ترامب” في إدخال السعودية إلى دائرة التطبيع مع إسرائيل، سيكون ذلك بمثابة خطوة كبيرة نحو وأد حلم الدولة الفلسطينية، بينما تظل محاولات بذل الجهد للإنقاذ متواضعة وغير فعالة.

الشرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية سيشهد بروز واقع جديد خالٍ من أي مقاومة حقيقية تؤيد القضية الفلسطينية، حيث تسليم الفصائل لأسلحتها يعني تمهيد الطريق لإسرائيل لتفرض سيطرتها.

في حين تعترف 157 دولة، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، بالدولة الفلسطينية بصفة مراقب، فإن هذا الاعتراف لا يغير من الوقائع على الأرض. إن خرائط جديدة تُرسم للمنطقة بعد انتهاء الحرب تمثل تهديداً عميقاً.

في ظل استمرار الاستيطان، والاعتداءات التي ينفذها المستوطنون المدعومون من جيش الاحتلال، يصبح من الصعب تصور أي فرصة حقيقية لحل الدولتين.

للتصدي لهذه الأوضاع، يجب وقف قطار التطبيع المجاني، لأن السلام مع إسرائيل ينبغي أن يكون مشروطاً بإقامة الدولة الفلسطينية، ليتسنى للعالم العربي اتخاذ موقف موحد.

لقد عاشت القضية الفلسطينية لنحو عقود على أمل أن تفضي التطورات السياسية إلى حل، لكن الواقع الحالي يشير إلى أن الأحداث الجارية تسبق أي تحركات دبلوماسية.

الدولة الفلسطينية لم تُدفَن بعد، ولكن أخطر ما يمثل تهديداً لها هو تعود العالم على غيابها، وتحول فكرة قيامها إلى مجرد ذكرى تدور في فلك الدبلوماسيين.

ولذا، فإن المعركة المقبلة لا تقتصر على مواجهة إسرائيل فحسب، بل تتعلق بسباق الزمن؛ فكل يوم بلا تسوية حقيقية يعمق من واقع الاحتلال والاستيطان.

وإذا كان الشرق الأوسط أمام تحولات كبرى، فإن السؤال الأهم هو: هل ستكون فلسطين جزءاً من هذه التحولات، أم ستصبح إحدى ضحاياها؟

هذا هو الاختبار الحقيقي الذي يواجه النظام العربي برمته. إما أن تدخل فلسطين إلى المستقبل كدولة ذات سيادة، أو ستصبح تجربة دفن حلم الدول الفلسطينية.

** كاتب صحفي ومحلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط.
** من مجلة الوطن العربي- العدد الحادي عشر.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق