ثقافة وفنون
0
الشرق ترصد توثيق سيرة الشاعر الراحل بجهود أبنائه..
❖ طه عبدالرحمن
- د. سعود بن سعدون: والدنا عاش جيلاً واجه صعوبات الحياة بإرادة وصبر
- د. حمد: والدنا نشأ في بيئة مشبعة بالفصاحة والشعر
- علي: تحرينا الدقة حفاظاً على إرث والدنا الشعري
- عبدالرحمن: شعر والدنا مرآة لقيم البادية وروح المجتمع
- الشاعر الراحل أدرك أن الشعر رسالة وتعبير عن مشاعر الفرح والحزن
- لم يكن شاعراً فحسب بل كان إماماً وخطيباً لمسجد العطورية
- كان يحث أبناءه على عزة النفس والاعتماد على الذات
لم يكن الوجيه سعدون بن محمد بن جابر القروي آل عذبة المري، رحمه الله، شاعراً فحسب، بل كان شخصية محبوبة وأحد أعيان المجتمع القطري ووجهاء قبيلته التي ينتمي إليها.
كما خلف، رحمه الله، إرثاً شعرياً غزيراً، تنوعت مجالاته، الأمر الذي دفع أبناءه إلى التفكير واتخاذ القرار في جمع قصائده لتوثيقها، وإصدارهم ديواناً باسمه، هو "ديوان سعدون القروي"، كموروث شعبي لشخصية من رجال هذا الوطن المعطاء لتطلع عليه الأجيال القادمة ويستفاد مما فيه من قصائد الحكم والنصائح والمناسبات الوطنية الاجتماعية.

وتوثيقاً لهذه المسيرة، وتوريثها للأجيال القادمة، لتظل في ذاكرتهم، فقد قام أبناؤه علي وعبدالرحمن بن سعدون بجمع قصائد الشاعر الراحل ومراجعتها من مصادر عدة بما في ذلك المكتوبة بخط يده والمسجلة على أشرطة أو نقلوها من آخرين واستمروا على هذا العمل لعدة سنوات.
وتم إنجاز هذا الديوان الذي قامت بطباعته ونشره دار نبراس للنشر والتوزيع، وسيتم تدشينه يوم الجمعة المقبل في معرض الدوحة الدولي للكتاب، بحضور أبناء الشاعر الراحل، والجمهور وضيوف المعرض ونخبة من الشعراء والمثقفين في قطر ودول مجلس التعاون لدولة الخليج العربية.
وانطلاقاً من حرص "الشرق" على توثيق مسيرة رواد الشعر القطري، كانت وجهتها إلى منطقة العطورية، حيث مجلس ومزرعة الشاعر سعدون القروي، رحمه الله، وذلك للقاء أبنائه وأحفاده، وللوقوف عند إرثه الشعري، على نحو ما حمله ديوانه.
- بدايات النشأة
في البداية، يقول العم حمد محمد جابر القروي العذبة، شقيق الراحل، إنه عاش مع أخيه الأكبر سعدون القروي مرحلة من عمره حيث كانوا متنقلين بين مختلف مناطق قطر، قبل الاستقرار في منطقة العطورية، كما أن أخاه، رحمه الله، كان شاعراً وحكيماً، ويدون قصائده التي يلقيها في مناسبات مختلفة ومكتوبة بخط يده في أوراق لديه، لافتاً إلى أن شقيقه، رحمه الله، كان يحتفظ بتسجيلات صوتية عبر الأشرطة التقليدية، ويستمع إليها باستمرار ويحفظ بعضها.
أما نجله د. سعود بن سعدون العذبة، محامي تمييز ومستشار قانوني، فيقول إن والده الشاعر، رحمه الله، وُلد في 1917 تقريباً وعاش في بداية حياته متنقلاً في بادية قطر، حيث كانت نشأته أسوة بأبناء جيله، في بيئة قاسية الملامح، صاغت شخصيته ورجولته، وزرعت لديه القيم والدين والفضيلة والأخلاق، فكان تقيًّا ورعاً، وفي الوقت ذاته مدرسة في الأخلاق والكرم، وقدوة في الصلاح، ومحبوباً بين أفراد المجتمع.
ويتابع: إن والدنا عاش متنقلاً بين جنوب وشمال قطر، مولعاً بالصحراء وتضاريسها، وبعد ذلك أقام لفترة من الزمن في خمسينيات القرن الماضي في مدينة الريان، ثم انتقل بعد ذلك الى السدرية في أواخر ذلك العقد، ثم أقام في قرية الجذيع، بجوار المرحوم سلطان بن ناصر آل طوار الكواري "رحمه الله" وجماعته من ال بوكواره. ثم ارتحل في بداية الستينات ليقيم مع جماعته العذبه بروضة الخرسعة حيث كان لديهم حلال من (الإبل والأغنام)، وبنوا فيها صناديق من الخشب وكان أبناؤهم يدرسون في روضة راشد.
ويضيف أنه في عام 1968، رحل الوالد، رحمه الله، وجماعته من آل عذبة إلى روضة العطورية، حيث تم توظيفهم في مشروع الآبار والمياه في المنطقة وأقاموا مساكن مؤقتة (صنادق الجش) ثم بنوا بيوتهم من الخرسانة المسلحة، وأقاموا فيها منذ ذلك اليوم وحتى يومنا، وتربى فيها أبناؤهم وتخرجوا على درجة عالية من التأهيل العلمي.

- صفاته وإبداعه الشعري
ويتناول د. سعود العذبه شخصية وسيرة والده، واصفاً إياه بأنه كان نموذجاً وقدوة لنا جميعاً في الحكمة والأخلاق وحسن التعامل، فكان متمسكاً بالدين، محباً للجميع حيث تربى على ذلك، كما أنه نشأ متحملاً للمسؤولية، أسوة بأقرانه من رجال الوطن الذين واجهوا صعوبات الحياة بإرادة وصبر، حتى بدأت ملامح الاستقرار الاجتماعي تتشكل مع تدفق الخير على البلاد، والاهتمام بتعليم الأبناء ورعايتهم.
ويقول إن من أبرز صفات والده، رحمه الله، أنه كان طيب القلب، حسن العشرة وتدفق العطاء لديه، متحلياً بالرحمة والتسامح، مقدراً لأصحاب المعروف، لا يحمل ضغينة تجاه من أخطأ في حقه، كما أن أبناءه تربوا على هذه المبادئ والقيم، وكان لذلك الأثر الكبير في قرارهم بإصدار ديوان لوالدهم، حيث تم جمعه وتدقيقه وتوثيقه حرصاً على إرثه الشعري والإنساني، وبما يحفظ سيرته للأجيال المقبلة.
ويضيف د. سعود أن والده، رحمه الله، جمع بين الوقار والهيبة، فكان محل احترام وتقدير عند الأسرة الحاكمة وأعيان المجتمع، كما ارتبط بعلاقات أخوية وثيقة مع بعضهم، منهم الشيخ محمد بن علي بن عبدالله آل ثاني، طيب الله ثراه، والشيخ عبدالرحمن بن حمد بن عبدالله آل ثاني، رحمه الله، والوجيه خالد بن عبدالله العطية والشيخ مبارك بن عبدالرحمن آل ثاني، رحمهما الله، وغيرهم الكثير من قبائل وأهل قطر.
أما عن النشاط المهني للشاعر الراحل، فيلفت د. سعود إلى أن والده في بداية حياته كان يسعى إلى الحصول على الرزق من خلال بيع وشراء الحلال، إلى أن التحق بالعمل في إدارة المياه بمنطقة العطورية بعد تأسيس الدولة، ثم عمل في القوات المسلحة، كما عُين إماماً وخطيباً لمسجد العطورية وذلك منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وحتى نهاية التسعينات حتى دخل مرحلة الشيخوخة وتوفي رحمه الله في فبراير عام 2006.

- فصاحة شعرية
ومن جانبه، يصف ابنه د. حمد بن سعدون العذبه، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والمناظير والكبد، وعميد طبيب سابق بوزارة الدفاع، وحالياً بالمستشفى الأهلي، بأن والده، رحمه الله، كان صاحب فراسة وحكمة وهيبة، إلى جانب تدينه وحرصه على التربية الصالحة لأبنائه، حيث كان يشجعهم على التعليم والادب والاخلاق وأفعال الرجال، وكان يغرس فيهم عزة النفس والاعتماد على الذات.
ويشير إلى أن والده كان يشارك الشعراء في المناسبات الوطنية والاجتماعية بقصائده المميزة، الأمر الذي جعل الآخرين يحبون شعره لما يتسم به من صدق المشاعر وجزالة المعنى واستماع المواطنين لقصائده، مؤكداً أن والده، رحمه الله، كان مدرسة في الشعر النبطي، حيث تميزت قصائده بالإبداع في الوصف، والعمق في المعنى، فضلاً عن بصمته الخاصة التي جعلت شعره حاضراً في الذاكرة الشعبية لدى الشعراء حتى اليوم.
أما ما يتعلق بتجربته الشعرية، فيوضح د. حمد أن والده نشأ في بيئة مشبعة بالفصاحة والشعر، فقد كان، رحمه الله، معروفاً بفصاحته، وكان يحفظ سورا من القرآن الكريم، كما تعلم رحمه الله مع إخوانه على يدي والدهم الراحل وحفظ أجزاء من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وآداب المجالس وصلة الرحم.

- مراحل إعداد الديوان
أما ابنه علي بن سعدون القروي، مهندس في قطر للطاقة، وهو أحد معدي الديوان، فيؤكد أنه قام مع شقيقه عبدالرحمن بجمع قصائد والدهما لتوثيقها، وأن العمل بدأ منذ مطلع الألفية الجديدة، عبر جمع قصائده المتداولة في المجالس وتلك المكتوبة بخط يده، رحمه الله، وكذلك تفريغ التسجيلات الصوتية القديمة، والاستماع إلى من كانوا يحفظون شعره.
ويقول الابن علي إن الأسرة اكتشفت بعد وفاة والدهم حجم الإرث الكبير الذي تركه، بما في ذلك قصائده في الحكمة والمناسبات الاجتماعية والوطنية، كما أنه وللأسف وجد أن هناك بعض القصائد تُنسب إلى آخرين، الأمر الذي دفعهم إلى تحري الدقة والتوثيق حفاظاً على موروث الوالد، رحمه الله، الأدبي.
ويضيف أن الديوان لا يضم جميع القصائد، لكنه يحتوي على أكثر من مائة قصيدة متنوعة بين الوطنية والحكم والرثاء والمديح والمناسبات الاجتماعية، فضلاً عن تضمينه صوراً لبعض الشخصيات التي تناولها الشاعر في قصائده، تقديراً لها وتعريفاً بها للأجيال الجديدة.
ويلفت إلى أنه وشقيقه عبدالرحمن حرصا على لقاء أقران والدهما، ممن احتفظوا بأبيات له في ذاكرتهم، وذلك بعد سنوات من وفاته، للتأكد من صحة القصائد وتحقيق أعلى درجات المصداقية والشفافية في عملية التوثيق.
ويؤكد الابن علي أن والده، رحمه الله، لم يدخل يوماً في مهاترات شعرية، بل كان يرى أن الشعر رسالة أخلاقية وإنسانية، وليس وسيلة للإساءة أو التجريح، وكان يردد دائماً أن الشعر يأتي من تعبير فرح أو حزن، وليس مجرد كلمات تُكتب على الورق.
ويضيف أن الديوان حرص على إبراز شخصية الوالد، رحمه الله، وسيرته الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب إبراز مكانته بوصفه أحد رواد الشعر القطري النبطي، ورمزاً مجتمعياً عُرف بالحكمة والفراسة والاحترام بين أبناء قبيلته وأفراد مجتمعه، حيث تناولت قصائده مناسبات وطنية واجتماعية عديدة، ومنها ما تضمن حب الوطن، وتعزيز الانتماء، والحفاظ على حقوق الجار، والتمسك بالدين والأخلاق، وهي القيم التي شكلت جوهر تجربته الشعرية والإنسانية.

- خصوصية القصائد
أما ابنه عبدالرحمن بن سعدون القروي، والذي شارك في جمع وترتيب الديوان مع شقيقه علي، فيؤكد أن والده، رحمه الله، بدأ نظم القصيد منذ شبابه المبكر، متناولاً أحداث عصره وقضايا مجتمعه، ثم اتجه مع نضجه الفكري إلى الحكمة والنصح والتأمل، إلى جانب الأغراض الشعرية الأخرى، وكان شعره نبطياً نابعاً من البيئة القطرية بكل تفاصيلها الاجتماعية والإنسانية، كما عُرف عنه أنه لا يمدح إلا من يستحق، ولم يُعرف عنه ذم أحد أو الإساءة إليه.
ويقول إن والده، رحمه الله، وإن كان قد رحل، إلا أن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة من عاصروه، وفي وجدان من سمعوا به، حيث خلف إرثاً من مكارم الأخلاق والصبر والجلادة والحكمة والإيثار والعطاء عند الحاجة، كما ترك أثراً أدبياً، إذ اشتهر بجزالة شعره وعذوبة ألفاظه وقوة معانيه، فكان من أبرز شعراء عصره، حيث عكس شعره قيم العرب والإسلام وأخلاقيات مجتمعه المحافظ، كما ترك ذاكرة طيبة تتوارثها الأجيال.
ويتابع: إن والده أبدع في مختلف مناسبات الشعر، ومنها قصائده في الوطن والفخر، وفي الغزل والنصح، كما أبدع خصوصاً في الوصف، حيث له بصمته التي تميزه عن غيره، وكانت قصائده تحث على فعل الخير، والإقبال على الطيب، ونبذ الخصال غير المحمودة.
ويعرب الابن عبدالرحمن عن أمله في إصدار ديوان آخر لوالده الشاعر سعدون القروي، رحمه الله، في المستقبل القريب بحيث يحتوي على قصائد جديدة، بجانب قصص وقصائد تاريخية، ليتم تجميعها ونشرها في المستقبل.
- آخر قصيدة
كانت آخر قصيدة للشاعر سعدون القروي المري، تلك التي نظمها في خريف العمر حين تقدم به السن وظهرت عليه آثار الشيخوخة، ولا سيما ضعف الذاكرة والنسيان، فقد كان يخرج بسيارته لقضاء حاجة، ثم يقف في منتصف الطريق عاجزاً عن تذكر ما خرج من أجله، فيعود إلى بيته حزيناً مكسور الخاطر، ويختلي بنفسه باكياً لا يرغب في الحديث مع أحد. عندها أدرك أن ما أصابه أمر لا مفر منه، فسلم أمره لله وحمده على قضائه وشكره على عطائه، وحين سأله أصحابه عن حاله، أجابهم شعرًا، فأنشد أبياتاً ختم بها مسيرته الشعرية، شاهدةً على صدق وجدانه وخضوعه لربه في أواخر أيامه.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية

















0 تعليق