محليات
16

❖ الدوحة - الشرق
- الذكاء الاصطناعي خلف المقود.. نهاية زمن تحميل السائق وحده المسؤولية؟
لسنوات طويلة، كان التحقيق في حادث السيارة يبدأ بسيطًا، وتتجه الأنظار إلى السائق، والسرعة، والإشارة المرورية، ومسافة التوقف، ثم تُراجع وثيقة التأمين لمعرفة ما إذا كان الحادث مشمولًا بالتغطية وما قيمة الضرر.
هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة. فالطريق الذي نسير فيه اليوم يبدأ من السيارة التقليدية التي يعرفها الجميع، ويمر بالسيارة الكهربائية التي غيّرت مصدر الطاقة وطبيعة بعض المخاطر، ثم يصل إلى المركبة ذاتية القيادة التي قد تغيّر أهم سؤال في تأمين السيارات: من الذي كان يؤدي فعل القيادة لحظة وقوع الحادث؟
المهندس سفيان خالد خبير تأمين معتمد لدى وزارة العدل – ACII يوضح ل الشرق قائلا : في السيارة التقليدية نسأل: من أخطأ ؟ وفي السيارة ذاتية القيادة قد نحتاج أولًا إلى أن نسأل: من كان يقود فعلًا، الإنسان أم النظام؟
وأضاف أنّ السيارة التقليدية تبقى الصورة التأمينية مألوفة نسبيًا. هناك سائق يتحكم بالمركبة، ومركبة لها قيمة، وحادث له سبب، وطرف متضرر، ووثيقة تحدد نطاق التغطية والاستثناءات وحدود المسؤولية. وعند وقوع حادث، ينصب جانب كبير من التحقيق على سلوك السائق وظروف الطريق والحالة الفنية للمركبة، ثم على تقدير الأضرار وإثبات علاقتها بالحادث. ولهذا بُنيت وثائق تأمين السيارات تاريخيًا حول مخاطر معروفة مثل التصادم والسرقة والحريق والأضرار المادية والمسؤولية تجاه الغير.
وأشار إلى أنه من المهم أولًا التفريق بين مفهومين يختلطان أحيانًا لدى الجمهور: السيارة الكهربائية ليست بالضرورة سيارة ذاتية القيادة، والسيارة ذاتية القيادة ليست بالضرورة كهربائية. وصف «كهربائية» يتعلق بمصدر الطاقة ونظام الدفع، بينما وصف «ذاتية القيادة» يتعلق بمن يؤدي مهمة القيادة: الإنسان أم النظام الآلي.في السيارة الكهربائية يظل الحادث المروري في جوهره حادث سيارة لكن الخبير وشركة التأمين يواجهان مكونات مختلفة عن السيارة التقليدية. فبطارية الجهد العالي قد تمثل جزءًا كبيرًا من قيمة المركبة، وقد تكون تكلفة فحصها أو إصلاحها مرتفعة.
كما أن الصدمة تبدو محدودة في الهيكل قد تستدعي التحقق من سلامة حزمة البطارية والعوازل وأنظمة الجهد العالي ومكونات الشحن. وفي بعض الحالات قد ينتقل السؤال (من) ما الجزء الذي نصلحه؟ (الى) هل ما زال إصلاح المركبة مجديًا اقتصاديًا مقارنة بقيمتها؟.
أما إذا وقع حريق مرتبط ببطارية الجهد العالي، فقد تختلف طبيعة التعامل الفني معه وإجراءات الفحص والتخزين والنقل بعد الحادث. كما يدخل الشحن في الصورة: هل وقع الضرر أثناء استخدام المركبة أم أثناء الشحن؟ وهل الخلل من المركبة أم من الشاحن أم من مصدر الكهرباء؟ وهي أسئلة لم تكن تحتل المساحة نفسها في تأمين السيارات التقليدية.
ومع ذلك، فإن القفزة الأكبر في عالم التأمين لا تأتي من البطارية، بل من اللحظة التي تبدأ فيها السيارة باتخاذ قرار القيادة بنفسها.

- نظام القيادة الآلي
وأوضح أنّ القيادة الذاتية ليست زرًا واحدًا يحول السيارة من «عادية» إلى «روبوت». ووفق تصنيف مستويات القيادة الآلية، تمتد الأتمتة من المستوى صفر، حيث يتولى الإنسان القيادة كاملة، مرورًا بأنظمة المساعدة والقيادة الجزئية، ثم مستويات يستطيع فيها النظام أداء مهمة القيادة في ظروف محددة، وصولًا إلى القيادة الآلية الكاملة. وكلما ارتفع مستوى الأتمتة، زادت المهمة التي يؤديها النظام وقلّ الدور المباشر للسائق.
وأضاف: وهنا يظهر الفارق التأميني الحقيقي. ففي المستويات الأولى يبقى السائق مطالبًا بالمراقبة والسيطرة، ولذلك يظل سلوكه عنصرًا رئيسيًا في تحديد المسؤولية. أما عندما يتولى النظام جانبًا أكبر من مهمة القيادة، فيبدأ السؤال تدريجيًا بالانتقال من «ماذا فعل السائق؟» إلى «ماذا فعل النظام؟ ولماذا؟».
ولا يعني ذلك أن «الخوارزمية» تصبح شخصًا يتحمل المسؤولية القانونية بذاته؛ وإنما تعيدنا إلى أطراف قانونية وفنية مختلفة: مالك المركبة، المشغل، الشركة المصنعة، مطور البرنامج، مورد الحساسات أو جهة الصيانة. وقد يتداخل أكثر من سبب وأكثر من طرف في الحادث الواحد.
- منظومة تحول ذكية
ولفت إلى أنه إذا كانت المركبات ذاتية القيادة ستضيف كل هذه الأسئلة الجديدة إلى المسؤولية والتأمين، فما الفائدة منها؟ هي ترتبط بتطوير منظومة النقل نفسها. فالمركبات الآلية يمكن أن تصبح جزءًا من شبكة نقل أكثر تكاملًا وكفاءة، وأن توسع سهولة الوصول إلى خدمات النقل، وأن تساعد على إدارة الأساطيل والحركة بصورة أكثر ذكاءً. وعلى مستوى الدولة، تربط استراتيجية المركبات ذاتية القيادة هذا التحول ببناء منظومة تنقل ذكية وآمنة ومتكاملة ومستدامة ومتاحة للجميع، وبزيادة كفاءة التنقل ودمج عمليات المركبات ذاتية القيادة مع شبكات النقل العام وتحسين جودة حياة المواطنين والمقيمين. كما تضع الاستراتيجية ضمن مبادراتها فتح فرص اقتصادية جديدة. أي أن المركبة ذاتية القيادة ليست مشروع سيارة فقط، بل جزء من مشروع أوسع لتطوير النقل والاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية.
وكلما انتقلت قرارات القيادة من الإنسان إلى النظام، أصبح من الضروري أن تنتقل معها قواعد واضحة تحدد التغطية التأمينية والمسؤولية عند وقوع الضرر.
ففي الدولة، لم يعد الحديث عن المركبات ذاتية القيادة مجرد تصور للمستقبل. فقد وضعت وزارة المواصلات استراتيجية للمركبات ذاتية القيادة تشمل التطوير والاختبار والترخيص والشراء والتشغيل والتنظيم للاستخدام في النقل العام، مع مراعاة الجوانب التقنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
ويُظهر العرض الصادر عن إدارة شؤون النقل العام بوزارة المواصلات في أبريل 2025 أن قطر أجرت سلسلة من التجارب على المركبات الآلية بين عامي 2016 و2024، من بينها تجارب في ميناء حمد والمدينة التعليمية ومستودع حافلات لوسيل. كما يوضح أن الاستراتيجية القطرية تضع «المسؤولية والتأمين» ضمن متطلبات بيئة التشغيل الآمن، إلى جانب الأمن السيبراني وخصوصية البيانات والبنية التحتية وإدارة الأساطيل واختبار المركبات وترخيصها.
- نماذج المسؤولية والتأمين
وقال إن اللافت من زاوية التأمين أن الجدول الزمني الاسترشادي للاستراتيجية للفترة 2025-2030 يتضمن بندًا واضحًا هو «تطوير نماذج المسؤولية والتأمين»، فيما تضع الاستراتيجية ضمن التحديات الحاجة إلى مراجعة قانون المرور والأنظمة التأمينية بما يسمح بالنشر الكامل للمركبات ذاتية القيادة على الطرق العامة. وهذه نقطة مهمة؛ لأنها تؤكد أن التأمين ليس تفصيلًا يأتي بعد اكتمال التقنية، بل جزء من البنية التي يجب أن تتطور معها.
والأهم تأمينيًا أن الوزارة أوضحت أن المرحلة الثانية المقترحة تتضمن تشغيل مركبتين تعملان بالقيادة الذاتية من دون مسؤول سلامة داخل المركبة، مع المتابعة من خلال مشغّل عن بُعد وعلى مسارات سبق اختبارها واعتمادها. كما أشارت صراحة إلى استمرار تطبيق «التأمين الشامل» وخطة الاستجابة للطوارئ وآليات التنسيق مع الجهات الأمنية خلال التشغيل وهنا تصبح العلاقة بين التقنية والتأمين في قطر علاقة عملية وليست نظرية.
- حادث تقليدي
في الحادث التقليدي يستعين الخبير بتقرير الحادث، وأقوال الأطراف وصور المركبات، وآثار التصادم، والحالة الفنية وفواتير الإصلاح، ثم يربط الضرر بالحادث وبشروط الوثيقة. أما في المركبة ذاتية القيادة، فقد يظهر نوع آخر من الأدلة لا يقل أهمية عن المعدن الملتوي أو آثار الفرامل: البيانات ونظام القيادة الآلي وإصدار البرنامج الموجود في المركبة والرادارات والحساسات قبل الاصطدام، وهل تمت معايرة الحساسات بصورة صحيحة بعد إصلاح سابق ؟ وهل كانت هناك تحديثات سلامة مطلوبة لم يتم تثبيتها؟
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية


















0 تعليق