محليات
210

❖ الدوحة - الشرق
في أزقّة صنعاء، حيث تتقاطع الأصوات بين بائعي الصباح وضجيج وسائل المواصلات، كان محمد الصنعاني يشقّ يومه على متن درّاجته النارية التي صارت شريكةَ خبزه اليومي، تحمل فوق ظهرها عرقَه وأحلامَه، وتعود به مع الغروب إلى بيت صغير يضُمّ قلبا كبيرا وأسرة تنتظر ابتسامة المعيل.
خمسةُ أعوام وهو يذرع الشوارعَ صبرا، حتى جاءته هديةُ السماء: طفلٌ وحيد سمّاه غَيْث. في لحظة واحدة تغيّر كلُّ شيء؛ صار محمد أبا، وصار للبيت نبضٌ جديد. غير أن الفرح، ما كاد يكتمل، حتى رافقه توقُّف مُفاجئ عند باب القلق: تشخيص مُعقّد لمرض في قلب غيث الصغير، يستدعي علاجا لا يحتمل التأخير.

- دفعة بلاء
حزم محمدُ قلبَه قبل أن يحزم متاعَه، ومضى إلى عدن، يطارد بارقة أمل في عمليات مجانيّة تنقذ حياة طفله. لكنّ القدر رتّب الطريق على مهل: حالةُ غيث خاصّة، والأطباء هناك نصحوه بوجهة أخرى، نحو مركز القلب والأوعية الدموية في تعز، حيث يقيم مخيّما لعلاج تشوّهات القلب الخَلقية للأطفال، بدعم من قطر الخيرية ضمن حملة «دفعة بلاء» التي أطلقتها الجمعية في ليلة السابع والعشرين من رمضان الماضي (1447هـ).
انطلقت العائلةُ بثلاثة قلوب: قلب طفل يتعثّر في خطاه الأولى، وقلبان لوالدين يلهجان بالدعاء في كل نفس. وما إن وصلوا حتى فتح الأطباء أبواب غرفة العمليات كما تُفتح نافذة لضياء الفجر، فهي عملية إنقاذ حياة.
دخل غيثٌ في سباقٍ مع الوقت. أُجريت له قسطرةٌ دقيقة لتوسيع برزخ الشريان الأبهري ذاك الشريان الذي كان يضيّق على طفولته المساحة ويختصرُ أنفاسه. لأنّ مهمته نقل الدم الغني بالأكسجين والمغذيات من القلب إلى كافة أعضاء الجسم.

- دموع الفرح
خارج الباب، كان الوقت أثقلَ من الحديد على الوالدين. توتر ودعاءُ بصوت خافت يعلو ثم يخفت، إلى أن انفرجت اللحظة: خرج الأطباءُ بعد ساعة تبدو دهرا، يحملون في ملامحهم الإجابةَ قبل الكلمات.
« نجحت العملية»..جملةٌ واحدة فقط أعادت البريق لعيني أبي غيث وأمّه. ضحكا بدموع لا تُشبه إلا الولادةَ الأولى. لقد عاد القلبُ الصغير يتعلّم النبض كما يتعلّم العصفورُ الطيران: بخوف جميل، وبإصرار على الانطلاق للأعلى.
في ذلك المساء، لم تكن صنعاءُ بعيدة، ولا الطريقُ طويلة. كانت المسافةُ بين الألم والرجاء أقصر من خفقةِ قلب. عاد محمد الصنعاني إلى صنعاء، لكن هذه المرة لا يحمل معه هموم المرض والقلق على ابنه، بل يحمل طفلا ينبض قلبه بالحياة والأمل.
- جبر الخواطر
وصف محمد الصنعاني (أبو غيث) هذا المشروع بقوله: لساني عاجز عن التعبير حقا..أبدأ بشكري لله أولا ثم لكل من ساهم وبادر ودعم هذا المشروع الذي قد لا يعرف قيمته إلا من جرب مثل هذه المواقف، فهذا العمل عند الله عظيم وأجره كبير. لقد جبروا بخاطرنا قبل إنقاذ حياة ابني فكلاهما من أعظم الأجور عند الله.
«غيث» اليوم شاهد على أن تكاتف الأيدي الخيّرة يمكنه أن يحول ليلة مباركة إلى عمر مديد من الأمل.

اقرأ المزيد
مساحة إعلانية








0 تعليق