كتب د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف: «الحق المبين.. من الحلم إلى الفوضى: حين يختلط الدين بالسياسة 3».
إذا كان من الممكن تلخيص إرث حسن البنا بكلمة واحدة، فهي “الندم”، حيث انحلت المنظومة التي تخيل أنه أسسها، وتحولت فكرته النهضوية إلى فوضى فكرية وتنظيمية. هذا التحول نتج عنه صراعات متعددة دون علم أو رؤية.
ترك البنا إرثًا معقدًا مليئًا بالتكفير والعنف، مما شوه صورة الدين وأدى إلى انقسامات داخل جماعته. هذا الإرث لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة خلط بين الأصول والفروع والدين والسياسة.
قدَّم العلماء تحذيرات قديمة من هذا الخلط، لأن الدين يعتمد على العلم الراسخ، وليس الانطباعات أو الحماسة. افتتح الإمام البخاري كتابه بـ«العلم قبل القول والعمل» لإبراز أهمية الأساس العلمي في البناء المتين.
انطلق البنا بحماسة وإخلاص، لكنه افتقر إلى أدوات الفهم العميق لمقاصد الشريعة والواقع السياسي. وبهذا الفهم السطحي، لم يستطع تقديم الإجابات الشرعية الصحيحة، مما أدى لطول التخبط داخل الجماعة.
اعترف البنا في أواخر حياته بندمه على الانخراط في السياسة ورغبته في العودة للعمل الدعوي الخالص. لكن الوقت كان قد فات، فغياب العلم والتأصيل أدى لظهور تنافسات داخل جماعته.
دخلت الجماعة في صراعات داخلية مريرة، حيث ادَّعى كل طرف امتلاك الحق. في مشهد مؤسف، دفع السندي البنا مما عكس انحدار البنية الأخلاقية للجماعة.
تطورت الأزمات لتصل إلى تكفير متبادل وعنف، فقد وصف الشيخ أحمد شاكر مقتل النقراشي باشا بأنه «عمل خارجي خبيث». بينما أشار الغزالي إلى ضرورة الحذر من إنتاج فكر الخوارج بتكفير الخصوم.
وكشفت تلك الأحداث عن أزمة الإخوان، والتي لم تكن سياسية فقط، بل منهجية: حماس بلا علم، انفعال بلا بصيرة. المجموعة التي كانت تعتقد أنها ستصبح مدرسة فكرية، أصبحت كيانًا سياسيًا صداميًا.
انتبه العديد من علماء الأزهر لخطر هذا المنهج، حيث دعا الشيخ المراغي لحل الجماعات الدينية بعدما استباحت الفتوى بغير علم. وحذر بعض العلماء البنا من عواقب اختياره، لكنه ظل متمسكًا برأيه.
في النهاية، لم يكن إرث حسن البنا مؤسسًا على العلم، بل هو تحرك انطلق من العاطفة وانتهى بالعنف. تركت خلفها جماعة تخلط بين الدين والسياسة وتنتج أجيالًا تحمل الفكر المتطرف.
كان بإمكان البنا أن يكون مجددًا لو التزم بمنهج العلماء وتواضع للعلم، لكنه اختار الحماسة بدلاً من الحكمة. لذلك، فإن إرثه الحقيقي هو الفوضى الفكرية والتنظيمية التي ما زالت تؤثر في العالم الإسلامي.
الدرس الأهم من تجربة حسن البنا هو أهمية العقل والعلم قبل الحركة، فكل مشروع ينطلق من الحماسة بلا علم مصيره الفشل. تكمن المجابهة الحقيقية في فهم مقاصد الشريعة، وإلا فإن النتيجة ستكون وبالاً على الأمة.
لذا، كلمة “الندم” تلخص إرث حسن البنا، فهي تعبر عن ندمه الشخصي وندم الأمة على ما نتج عن فكره من انقسام ودماء. هذه التجربة تحمل في طياتها دروسًا للتأمل والتفكير العميق.




