“سوناتا الربيع”.. مسرح يستعيد القهر السوري

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بين جدار يُرمم وصوت يخشى النطق بكلمة “إصلاح”، تفتح مسرحية “سوناتا الربيع” نافذتها على حكاية رجل عادي تحول إلى شاهد على زمن مكسور، عبر إيحاء لا يقتصر على قصة بيت يتداعى فحسب، بل سيرة وطن تأجل ترميمه، وذاكرة مثقلة بالخسارات والأسئلة المؤلمة.

عبر “مونولوج” حاد ومشاهد تتقاطع فيها الذاكرة مع القمع، تأخذنا المسرحية إلى قلب تجربة إنسانية عارية، حيث يصبح الجدار اعترافًا، والصمت اتهامًا، والمسرح مساحة أخيرة لقول ما لا يقال.

صرخة “معاناة وطن”

بينما ينهمك “أبو حسن” في ترميم جدران بيته وطلائها، تنفلت منه صرخة عفوية وهو يعجز عن إحداث شرخ في الحائط: “رح أصلحك يعني رح أصلحك، مو متل إصلاحاتهم، عشر سنين وما شفنا شي”، سرعان ما ينتبه لثقل الكلمة، فيتراجع عن “الإصلاح” ويستبدل بها “العلاج”، خشية أن تجره العبارة إلى قمع جديد يعرفه جيدًا.

في “مونولوج” داخلي مكشوف، يبوح “أبو حسن” بخياراته القديمة، كيف فضّل دراسة التاريخ على الطب في فرنسا، وكيف تشبث بوصية والده المستلهمة من المتنبي: “من يهن يسهل الهوان عليه”، كان الثمن فادحًا، فقد خسر الأب والوظيفة والأسرة، وخسر معها صورته عن نفسه ورجولته.

تبدأ المأساة حين يرفض الدكتور الجامعي نجاح ابنة “المعلم”، فتكون النتيجة اعتقالًا وتعذيبًا، يموت الأب قهرًا بعد مهانة التحقيق، وتغادر الزوجة مع ابنتها إلى فرنسا، تاركة خلفها بيتًا مكسورًا ورجلًا محطّمًا.

تحت قسوة الاستجواب، يفقد “أبو حسن” رجولته، ويختار العمل دهّانًا كي لا يذل، على حد تعبيره، وفي ذروة الانفجار العاطفي، يهوي على الجدران تحطيمًا، صارخًا في وجه السلطة: “يا معلم، أنتو اللي دمّرتوا البلد، أنتو اللي دمرتوا القيم”.

ويعتمد العرض طريقة تقنية لافتة، إذ يوظف شاشة كبيرة داخل إطار نافذة لتكون بوابة لذاكرة “أبو حسن”، تتوالى عليها لقطات الأب والزوجة والابنة “سوناتا”، وصورة السجان، فتتحول الذاكرة إلى مشاهد حية.

“سوناتا الربيع” من بطولة مازن الناطور بدور “أبو حسن”، وتأليف جمال آدم، وإخراج ماهر صليبي، عُرضت في مسرح “دار الأوبرا” بين 8 و10 من كانون الثاني الحالي.

حين تتحول الذاكرة إلى مشهد حي

مخرج العمل ماهر صليبي، قال لعنب بلدي، إن المسرحية لامست عمق المعاناة التي عاشها الشعب السوري خلال سنوات حكم النظام السابق، مؤكدًا أن رسالتها تتمحور حول إيصال صورة هذه المعاناة إلى العالم، ولا سيما عند تقديم هذا النوع من العروض خارج سوريا.

وأوضح أن العمل يعبر عن شخصيات سورية موجودة بكثرة، وينقل الأوجاع من خلال قصة شخص مظلوم عانى كثيرًا وخسر كل شيء بسبب موقف اتخذه في حياته، في محاولة لشرح ما حدث للسوريين وسبب اندلاع الثورة.

وحول عودة المسرحية إلى المسرح السوري بعد 12 عامًا من عرضها في مسارح دولية، شدد صليبي على أن المسألة لا تتعلق بفكرة العودة بحد ذاتها، بل برغبة الجمهور السوري في مشاهدة ما قُدّم قبل 12 أو 13 سنة.

من جهته، أكد الفنان مازن الناطور أن رسالة المسرحية اليوم هي ذاتها الرسالة التي وُجّهت عام 2012، مع اختلاف وقعها على الناس.

وذكّر بأن عرضها الأول جاء في زمن الثورة السورية، وسط احتقان وغضب ودم على الأرض، إضافة إلى التحزبات والتشنج، مشيرًا إلى أن هذا الكابوس قد انتهى، وبقيت الآلام مجرد ذكرى، متمنيًا ألا يعيشها أحد مرة أخرى.

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى

إخترنا لك

0 تعليق