عزاءُ اللغة

صراحة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزاءُ اللغة ليست كلُّ الكلماتِ تُقال وبعضُها يُدفنُ قبل أن يُسمَع، ففي عزاءِ اللغة لا نبكي الحروفَ حين تموت بل نبكيها حين تعيشُ بلا روح، حيث تُقالُ بلسانٍ حاضرٍ وقلبٍ غائب، هنا حيثُ تُزيَّنُ الجُمَلُ وتُفرَّغُ من معناها، وتُرفعُ العبارةُ كأنها إعلان ، وهي في حقيقتها صدىً لا مصدر له، لغةٌ تُتقن الوقوف أمام الأعين لكنها تعجز أن تمشي إلى الأعماق فتبدو حيّةً في ظاهرها وهي في باطنها مجرّدُ أثرٍ باهت، فعزاءُ اللغة أن تتحوّل من موقفٍ إلى مجاملة ومن صدقٍ إلى صياغة ومن أثرٍ إلى أداء، وأن يُقال ما يُؤنس السمع لا ما يُقلق الفكر ، وأن تُكتب الكلمات لتُرى لا لتُشعَر، ففي عزائها لا تُحمل النعوش بل تُحمل النصوص، نصوصٌ مكتملة الشكل ناقصة الروح، تُدهشك ترتيبًا وتُخذلك أثرًا، تمرّ عليك كأنها شيءٌ عابر لا تترك فيك سؤالًا ولا تُشعل فيك فكرة، فاللغةُ لا تموت حين تقلّ بل تموت حين تكثر بلا معنى، وحين تتزاحم الحروف ويتراجع الصدق وتُستبدل الحرارةُ بالبرود المُتقن، وعزاءُ اللغة ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها لمن أراد أن يُحييها، فالكلمةُ التي تُولد من وجعٍ صادق لا تُشيَّع بل تُخلَّد، والحرفُ الذي يخرج من قلبٍ حي لا يُعزّى فيه بل يُحتفى به، فلا تكتب لتُضيف صوتًا إلى الضجيج اكتب لتُعيد للغة نبضها،

واكتب كأنك تُنقذ معنىً من الغرق، وتُخرج حرفًا من ظلام الاستهلاك إلى نور الحقيقة، كأن كل جملةٍ تُنقذ بها روحًا كانت على وشك أن تضيع بين زحام العابرين، واكتب لا لتُقال عنك عبارة بل ليُقال بك معنى، ولا لتُعجب العيون بل لتوقظ القلوب، فالعين قد تُصفّق أمّا القلب فلا يخضع إلا للصدق، واللغةُ حين تُصانُ تغدو مقامًا ، وحين تُهمل تتحوّل إلى ممرٍّ باردٍ تعبره الكلمات بلا أثر، لا ظلّ لها ولا صدى، وما بين نصٍّ يُكتب ونصٍّ يُختبَر، مسافةُ صدقٍ لا تُقاس بالحروف، بل تُقاس بما يتركه فيك من ارتجافٍ خفي أو سكونٍ عميق، فاختر أن تكون كلمتك حياة، لا زينةً عابرة ولا حضورًا مؤقتًا، بل أثرًا يمتدّ حتى بعد أن يسكن الضجيج

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الثلاثاء 07 إبريل  2026 م

للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا ) 

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق