تمايز الجامعات... تأملات في سيرة البحث عن الذات!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تمايز الجامعات... تأملات في سيرة البحث عن الذات!, اليوم الاثنين 18 مايو 2026 09:38 مساءً


التمايز والتفرد في كل شيء مراد صعب وطموح عزيز يبذل دونه الغالي والنفيس، لا يناله إلا من عرف إمكانياته أولا ثم عرف إمكانيات غيره، وكما يقال «لا يعرف نفسه من لا يعرف إلا نفسه»، وتمايز الجامعات أضحى لدينا هو الموضوع الأبرز على الساحة الأكاديمية، تباينت حول آلية تنفيذه الآراء لكنها اتفقت على الحاجة إلى البدء في هذا المشروع برؤية وطنية واضحة الرؤى والمعالم، ولعل من المناسب من باب تنمية الوعي الذاتي والمجتمعي حول هذا المفهوم أن نستعرض بشكل موجز تجارب مختلفة من بيئات متباينة من أقصى الشرق والغرب لجامعات سبقتنا في هذا المجال، والهدف ليس السعي لاستنساخ تجارب الآخرين أو حصرها، بل أن نحاول استقراء تجارب الغير وتدوين بعض من الشواهد والعبر التي قد تساعدنا في فهم غايات وتحديات ومآلات هذا المشروع.

التجربة الأولى تجربة من أقصى الغرب بدأت مع الألفية الجديدة عندما كانت العديد من الجامعات الأمريكية تراجع هويتها وماهيتها للمواءمة مع متطلبات القرن الجديد، في تلك الأثناء تولى الأكاديمي مايكل كرو رئاسة جامعة ولاية أريزونا، والتي كانت تصنف بأنها جامعة إقليمية كبيرة ضمن الجامعات العامة هناك، جامعة ذات تمويل حكومي محدود وهوية تقليدية، أدرك كرو وفريقه أنه ليس بإمكانهم منافسة الجامعات النخبوية في أمريكا مثل هارفارد وستانفورد باستخدام السياسات التقليدية التي تمارسها تلك الجامعات، مثل: الانتقائية في قبول الطلاب وتقنين أعداد الطلبة المقبولين والتميز في التصنيفات الدولية، وجعل الأولوية للتميز البحثي، بل على النقيض، رأت جامعة أريزونا أن تركز على تغيير قواعد اللعبة بإعادة وتحوير السؤال الهام من «كيف نصبح جامعة نخبوية» إلى «ما الدور الذي لا يستطيع أحد القيام به مثلنا؟»، وطوروا نموذجا جديدا أسموه «الجامعة الأمريكية الجديدة»، وهو نموذج يقوم على فكرة أن الجامعة العظيمة ليست هي التي تستبعد أكبر عدد من الطلاب، بل التي تنجح في تمكين أكبر عدد منهم، وتنمية مهاراتهم لخدمة المجتمع، وفي ضوء ذلك أعادت الجامعة بناء هويتها لتكون: «جامعة بحثية عامة شاملة، يقاس أداؤها ليس بمن تستبعدهم، بل بمن تقبلهم وكيف ينجحون؛ وتعمل على تطوير البحث والاكتشاف ذي القيمة العامة، وتتحمل المسؤولية الأساسية عن الصحة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعامة للمجتمعات التي تخدمها».

ثم ترجمت هذه الرؤية إلى خطة عمل واضحة وفق إطار زمني بعيد المدى، ركزت على: إعادة بناء الهوية  ثم إعادة تصميم البنية الأكاديمية حول الهوية الجديدة  ثم إعادة تنظيم طرق التدريس والبحث، وصولا إلى التوسع في الوصول والابتكار الرقمي، نفذت الجامعة خطتها بتدرج وشجاعة وأعادت بناء نموذجها المؤسسي ليكون جامعة واحدة في أماكن مختلفة بدلا من حرم جامعي واحد، واستثمرت في التعليم الرقمي لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة والبرامج، ولم تسع الجامعة في البداية إلى إلغاء الأقسام أو التخصصات التقليدية، لكنها أعادت تعريفها ضمن هيكلتها الجديدة، فمثلا تم استحداث «مدرسة الاستدامة»، وهي كلية تضم تخصصات متنوعة تهدف إلى العمل على إيجاد تفاعل حقيقي بين العلوم الطبيعية والهندسية والاجتماعية والسياسات العامة، مع شركاء من المجتمع والقطاع الخاص، لإيجاد حلول لمشكلات معقدة مثل مشاكل الماء والطاقة والمدن والغذاء.

نتيجة لذلك أصبحت الجامعة اليوم علامة فارقة من علامات التميز الأكاديمي في العالم، فقد قفز عدد طلبتها من ما يقارب 55 ألفا في عام 2002م إلى 160 ألفا في عام 2025م، منهم النصف تقريبا يدرسون في برامج نوعية عن بعد، وكذلك تفوقت الجامعة في مؤشرات النشر العلمي، والتميز البحثي، والابتكار، والتصنيفات العالمية، لتؤكد فعلا أن التميز ما هو إلا نتيجة حتمية جانبية لكل جامعة تنجح في مهامها الأساسية.

وعلى النقيض من ذلك، كان في أقصى الشرق تجربة مغايرة لمجموعة من الجامعات اليابانية التي كان لها حضور مميز في قوائم التصنيفات الدولية، لكن بدأت مستوياتها بالتراجع مما أثار حفيظة العقل الياباني الذي يهتم دوما بالاستمرارية وفق معايير الأداء والجودة، فمثلا انحدر تصنيف جامعة طوكيو في تصنيف شانقهاي للجامعات من المركز الـ19 في عام 2003م إلى المركز 27 في عام 2023م، وثقت الأدبيات الأكاديمية الحلول التي طبقت هنالك للتعامل مع هذه الحالة، ومن ضمنها تقرير مجلة الـScience الذي نشر في عام 2023م لمناقشة ما أصاب الجامعات اليابانية، وصف التقرير هذه الحالة بـ(التوعك الأكاديمي)، وعزا أسباب انخفاض أداء الجامعات إلى سياسة «الخصخصة والاستقلالية» التي طبقت حينذاك، وأدت إلى تضخم البيروقراطية وزيادة أعباء الإشراف الخارجي على الجامعات، مما كان له بالغ الأثر في خفض الإنفاق على البحث العلمي ونشوء أزمة ركود بحثي ونقص في أعداد الباحثين، كون الجامعات أصبحت بيئات غير جاذبة.

وباستقراء تلك التجارب وغيرها، يمكن أن ندون بعضا من النقاط الهامة التي يمكن أن تمنحنا فهما أوسع للعوامل التي تساعد على نجاح مشروع تمايز الجامعات، ومن ضمنها: أهمية وعي القيادات الأكاديمية بأهمية التغيير والتطوير، وضرورة تبني هذا المشروع ووضع الأطر العامة الضامنة لنجاحه، والعمل على استيعاب الآراء المخالفة والداعمة وتوجيهها لتطوير نماذج التغيير المقترحة، وكذلك القدرة على استشراف مكامن الخلل ومعالجتها بشكل مبكر وعدم الركون إلى النتائج الآنية التي تمنحها مؤشرات الأداء وبعض قوائم التصنيف، وبالإضافة لذلك، ضرورة وجود خطط طويلة المدى وعدم استعجال الثمرة، فمشروع التمايز رحلة وليست غاية، واستيعاب أن هذا المشروع لن ينجح إذا بقي مشروعا تنظيميا يركز فقط على الشعارات، وإعادة الهيكلة أو الخطط النظرية، بدلا من أن يصبح مشروعا ثقافيا وفكريا طويل الأمد يشارك فيه الجميع ليساعد الجامعة في فهم ذاتها أولا، وبناء مفهومها للنجاح في ضوء إمكانياتها الحقيقية وحاجات مجتمعها وطبيعة دورها الوطني، وهذا لن يتحقق إذا أصبحت كل الجامعات تتسابق للقيام بالممارسات الأكاديمية نفسها، مثل: التوسع في النشر العلمي، وزيادة برامج الدراسات العليا، وتقليد الجامعات الأعلى تصنيفا، والسعي وراء المؤشرات العالمية نفسها. لتكون النتيجة غالبا: تشابها مؤسسيا، ضعفا في الهوية، تشتيتا للموارد، برامج أكاديمية مكررة، وأحيانا غياب الدور الحقيقي للجامعة في محيطها، وهي أعراض من شأنها أن تجعل الجامعات «جامعة عامة تفعل كل شيء بدرجة متوسطة»، بدلا من أن تكون مؤسسات تمتلك شخصية علمية واضحة ودورا محددا ومؤثرا.

لعل من أبرز الدروس أيضا الالتفات إلى إن فكرة تمايز الجامعات لا تهدف إلى أن تكون كل جامعة أفضل من غيرها بالضرورة، بل تعني أن لكل جامعة وظيفة وهوية ومجال تفوق مختلفا، والمستفيد من ذلك هو منظومة التعليم العالي التي ستحد من التكرار في أدوار الجامعات وتضمن وجود جامعات فريدة تغطي مهام مختلفة، وتساهم في تحقيق الغايات الوطنية والمعرفية المناطة بها.

وحتما، فإن رحلة التغيير لن تكون رحلة ناعمة، لأنها عملية فكرية في المقام الأول ستواجه العديد من التحديات، مثل: تحدي بناء الهويات الجديدة ضمن إطار مؤسسي واضح المعالم يضمن مشاركة جميع المستفيدين ويقلل من مقاومة الأقسام والتخصصات التقليدية لعملية التحول، وما يتبع ذلك من تحدي إعادة رسم البنى الأكاديمية حول الهويات الجديدة وما يتطلبه من إعادة للهيكلة وتوزيع للموارد والوظائف، وتحدي عدم وجود مؤشرات أداء داخلية تكون بديلا لمؤشرات التصنيفات الخارجية لضمان انسيابية رحلة التغيير خلال مرحلة التحول، والخطوة الأولى تبدأ من بناء الوعي حول هذا المفهوم داخل النسيج الأكاديمي، وبث الحماس بداخله لتبني هذه الأطروحات ليكون قائدا ورائدا ومترجما للمشروع على أرض الواقع، ليحقق غاياته وطموحاته. ولنتذكر أن أخطر ما قد يحدث لمنظومة التعليم العالي هو تشابه أدوار جميع الجامعات لتصبح في حقيقتها نسخا مكررة من بعضها لكن بأشكال مختلفة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق