ما إن تُطرح قضية قانون الأحوال الشخصية على طاولة النقاش في مصر، حتى تشتعل منصات التواصل الاجتماعي بصخب لا يهدأ، وتتحول القضية من بحث عن العدالة إلى معركة "البحث عن الترند"، وكأننا أمام حلبة صراع يبحث فيها كل طرف عن نصر شخصي زائف. وفجأة، انقسم المجتمع إلى معسكرين يتبادلان الاتهامات والطلقات الكلامية؛ طرف يرفع راية "حقوق الرجال" وكأنها غنيمة حرب، وطرف يستميت في الدفاع عن "مكتسبات النساء" وكأنها معركة وجود، وفي خضم هذا الضجيج العالي تلاشت ملامح "الأسرة" التي كانت يومًا ما ميثاقًا غليظًا، وقوامها المودة والرحمة.
إن المُتابع لهذا "الترند" المتكرر يُدرك بأسى أن الأنانية قد طغت على الحكمة، فصار كل طرف يقف خلف مصلحته الضيقة، مُتناسيًا أن الزواج والطلاق ليسا مسابقة لمن يربح الجولة الأخيرة، بل هما مسؤولية أخلاقية ممتدة. والأصعب من ذلك، أننا في زحام هذه "الخناقة" القانونية الكبرى، أسقطنا من حساباتنا الضحية الصامتة التي تدفع الثمن الأغلى؛ وهم الأطفال. هؤلاء الصغار الذين تحولوا في دهاليز المحاكم والنزاعات إلى "أدوات ضغط" و"أوراق مساومة"، يُحرمون من رؤية الأباء أو الأمهات تارة، ويُمنعون من حقوقهم المادية تارةً أخرى، فقط ليشفي أحد الأبوين غليله من الآخر.
لقد نسي الجميع أن الأسرة هي الخلية التي تحمي المجتمع من التفكك، وأن انهيارها بالخصومة الفاجرة لا يعني هزيمة طرف وانتصار طرف، بل يعني خسارة فادحة لجيل كامل سيخرج للحياة مشوهًا نفسيًا وفاقدًا لأسمي معاني الأمان.
لذلك، فقد بات لزامًا علينا اليوم -أكثر من أي وقت مضى- أن نلتف حول قانون واضح وحاسم يضع حماية الطفل كأولوية مطلقة؛ قانون يحفظ كرامة الأم بتوفير الماديات والضمانات التي تكفل لها ولصغارها حياة كريمة بلا استجداء، وفي الوقت ذاته يصون حق الأب في رؤية واحتضان أبنائه دون عراقيل أو مساومات كيدية، ليكون القانون حائط صد يحمي الجميع.
ابتعدوا عن الترند يرحمكم الله، عودوا إلى رشدكم ولا تنجرفوا وراء مهاترات إلكترونية، البيوت لا تُبني أو تُخرب بالمنشورات الغاضبة أو الأصوات الجعجاعة. أما إذا كنت في موقع تشريعي، فاعلم أن الأمانة تقتضي أن تختار تشريعات حقيقية تنبع من واقع المجتمع واحتياجاته، لا أن تضع نصوصًا لمجرد "ركوب الترند" أو إرضاء غاية مؤقتة على حساب استقرار دائم!


















0 تعليق