أكدت دار الإفتاء المصرية أن رحلة حج بيت الله الحرام تمثل نفحة ربانية فارقة ومنعطفاً إيمانياً يغير مجرى حياة المسلم، مشيرة إلى أن هناك علامات ودلائل واضحة تظهر على سلوك العائدين من الأراضي المقدسة تدل على قبول طاعتهم وفوزهم بالثواب العظيم.
وفي هذا السياق، شدد فضيلة الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، على أن الفريضة الخامسة هي فرصة ذهبية للتطهر الشامل من الآثام، مستشهداً بما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، وفي رواية أخرى: «خَرَجَ مِنَ الذُّنُوبِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، وهو ما يؤكد أن الحج الصحيح الخالي من الرفث والفسوق يعيد العبد ناصع الصحيفة نقياً من الأوزار.
تحسن السلوكيات كدليل على الحج المبرور
ودعا مفتي الجمهورية ضيوف الرحمن إلى ضرورة استشعار المسؤولية الأخلاقية والدينية بعد العودة إلى بلادهم، لافتاً إلى أنه ينبغي على الحاج أن يكون على قدر منزلة نظرة الإكبار والتبجيل والتوقير التي ينظرها المجتمع إليه؛ نظراً لقرب عهده بالمشاعر المقدسة وبيت الله العتيق.
وأوضح فضيلته أن المحك الرئيسي لقبول الحج يتجلى في إحداث تغيير جذري وإيجابي في أخلاق المرء وتحسين سلوكياته اليومية مع المحيطين به، حيث استند المفتي إلى ما أورده الإمام الماوردي في كتابه "الحاوي الكبير" بأنه: "مِنْ عَلَامَةِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ بَعْدَ حَجِّهِ خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَهُ"، معتبراً أن الاستمرار على الطاعة وتهذيب النفس هما البرهان العملي على التوفيق الإلهي.
الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة
وفي سياق متصل، استعرض الدكتور نظير عياد الأثر الروحي والقلبي الذي ينبغي أن يتركه الحج في وجدان المسلم، موضحاً أهمية ملازمة العمل الصالح والتعلق الدائم بالله سبحانه وتعالى بعد انقضاء المناسك والطلب الحثيث للدار الآخرة.
وأشار فضيلته إلى المأثور عن الإمام الحسن البصري حينما سُئل عن ماهية الحج المبرور، فأجاب قائلاً: "أن ترجع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة"، مؤكداً أن ظهور أنوار الطاعة على تعاملات الحاج مع الخالق عز وجل ومع العباد هو مما يحبه الله ويرضاه، تفعيلاً للحديث النبوي الشريف: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ».
رحلة لتجديد العهد وقياسات الطاقة الإيمانية
من جانبه، علق الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، على الأبعاد العميقة لهذه الرحلة الإيمانية، مستشهداً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، ووصف الحج بأنه رحلة فريدة لتجديد الحياة وتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى، ومحطة ربانية لإيقاظ القلوب من غفلتها.
وتطرق أمين الفتوى إلى مسألة استجابة دعاء الحاج التي اشتهرت بين العوام، مؤكداً أن لها أصلاً أثبتته الشريعة. كما لفت إلى مفارقة علمية حديثة، موضحاً أن علماء الطاقة استطاعوا عبر أبحاثهم قياس الطاقة الإيمانية والروحية المحيطة بالإنسان، ووجدوا أن هالة الطاقة الإيمانية حول المسلم تتضاعف وتزداد بشكل ملحوظ وملفت في الفترات التي تسبق الطواف وبعده، مما يبرهن بالعلوم الحديثة والمادية على صدق ما يرسخه الدين من حقائق إيمانية وتأثيرات روحية عميقة للمشاعر المقدسة في قلوب وأجساد المؤمنين.

















0 تعليق