نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
شهادة الجنزوري.. هل آن أوان مراجعة فلسفة التعويم والاقتراض؟, اليوم الثلاثاء 21 يوليو 2026 01:26 مساءً
لست من دروايش الدكتور كمال الجنزوري رئيس وزراء مصر الأسبق أيام الرئيس الراحل حسني مبارك رحمه الله، ولا من خصومه، لكن الرجل وهو من هو، حين يدلي بشهادته للإعلامية منى الشاذلي عن أخطر قرار اقتصادي عرفته مصر، فإن شهادته تستحق التأمل؛ فهو لم يكن مراقبًا من الخارج، بل كان أحد صناع القرار بل هو واحد من أقوى رؤساء وزراء مصر قبل يناير وبعدها.
فالدكتور كمال الجنزوري يرى -وأنا أوافقه الرأي تمامًا من واقع ما نعيشه اليوم- أن خفض قيمة العملة هو أسوأ القرارات الاقتصادية، لأن أثره يمتد إلى أسعار جميع السلع والخدمات، فتتراجع القوة الشرائية للمواطن لسنوات.
والأهم أنه ساق مبررًا اقتصاديًا لا يزال محل نقاش حتى اليوم، إذ أكد أن خفض الجنيه لا يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الصادرات، لأن الصادرات المصرية لا تتمتع بالمرونة الكافية للاستفادة من انخفاض سعر العملة، وقد أثبتت التجربة ذلك من قبل.
ولم يكن هذا مجرد رأي نظري، بل موقف عملي. فقد روى الجنزوري أنه أثناء التفاوض مع صندوق النقد الدولي اشترط عدم خفض قيمة الجنيه أو رفع أسعار المنتجات البترولية. وبعد أن وافق الصندوق، عاد وفد يضم أحد عشر عضوًا مطالبًا بخفض العملة بنسبة 5%، فرفض الجنزوري الطلب رفضًا قاطعًا، وقال عبارته الشهيرة: "الناس دي لا تدخل مبنى حكومي"، مؤكدًا أن مصلحة الاقتصاد المصري تعلو على أي شروط خارجية.
قد يرى اقتصاديون أن التعويم يكون أحيانًا ضرورة لمعالجة اختلالات السوق، لكن شهادة الجنزوري تطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كان خفض العملة علاجًا، فلماذا لا تتحقق آثاره الإيجابية إلا في اقتصادات تمتلك قاعدة إنتاجية وصادرات قوية؟
واليوم، وبعد سنوات من التعويم والاقتراض، تفرض الأسئلة نفسها: هل زادت الصادرات بالقدر الذي يبرر كلفة انخفاض الجنيه؟ وهل أصبح الاقتراض وسيلة لبناء اقتصاد منتج، أم عبئًا تتزايد معه خدمة الدين عامًا بعد عام؟
إن الخروج من الأزمة لا يكون برفض التعاون مع صندوق النقد الدولي، ولا بقبول كل وصفاته، وإنما ببناء اقتصاد يقوده الإنتاج لا الاستدانة، والتصنيع لا الاستيراد، والتصدير لا الاستهلاك. فالدول، كما الأفراد، لا تحيا بما تقترض، بل بما تنتج.
لقد ترك الجنزوري شهادة للتاريخ، ويبقى السؤال للمستقبل: هل نملك شجاعة مراجعة السياسات قبل أن تفرض علينا الأزمات مراجعتها؟
















0 تعليق