اقتصاد دولي
2

الأسواق المالية
الدوحة - قنا
شهدت الأسواق الأمريكية خلال شهر مايو الجاري موجة صعود قوية، دفعت المؤشرات الرئيسية إلى تسجيل مستويات تاريخية جديدة، مدعومة بمجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية التي عززت ثقة المستثمرين وأعادت الزخم إلى أسواق الأسهم.
وقال الخبير المالي رمزي قاسمية، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن مؤشر "استاندرد آند بورز 500" سجل مكاسب بلغت نحو 5.7 في المئة خلال الشهر الجاري، كما قفز مؤشر ناسداك، الذي يضم أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية، بنحو 8.5 في المئة، وحقق مؤشر "داو جونز الصناعي" ارتفاعا يقارب بنسبة 3 في المئة، في أداء يعكس تحسنا ملحوظا في رغبة المخاطرة لدى المستثمرين.
ورأى أن العامل الأكثر تأثيرا في هذه المكاسب تمثل في تزايد التوقعات بانتهاء دورة التشديد النقدي في الولايات المتحدة، مع ظهور إشارات متزايدة من مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) تفيد بأن أسعار الفائدة بلغت مستوياتها القصوى، وساهم هذا التحول في تعزيز معنويات المستثمرين وتقليص المخاوف المرتبطة باستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض.
كما لعبت بيانات التضخم الأخيرة دورا محوريا في دعم الأسواق، بعدما جاءت قراءات التضخم الأساسية أقل من التوقعات، ما خفف من احتمالات تنفيذ المزيد من الزيادات في أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، وأدى ذلك إلى تحسن واضح في المزاج الاستثماري ودفع المتداولين إلى زيادة تعرضهم للأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها الأسهم.
واعتبر قاسمية قطاع التكنولوجيا المحرك الرئيسي لهذه الارتفاعات، خاصة مع الأداء الاستثنائي لما يعرف بمجموعة "السبعة العظماء"، والتي تضم شركات كبرى مثل إنفيديا ومايكروسوفت وآبل وميتا وأمازون وألفابت وتسلا، حيث استقطبت هذه الشركات اهتمام المستثمرين بفضل نمو أعمالها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية.
وأشار إلى مواصلة شركة إنفيديا تصدر المشهد، مستفيدة من الطلب القوي وغير المسبوق على رقائق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، كما ساهمت الطفرة العالمية في الاستثمار بالتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في تعزيز الإيرادات والأرباح المتوقعة للشركة، ما انعكس إيجابا على سعر سهمها وقيمتها السوقية.
وأضاف الخبير المالي رمزي قاسمية، في تصريحاته لـ"قنا"، أن أسهم شركة آبل حققت مكاسب قوية قاربت 14 في المئة خلال الفترة ذاتها، بينما سجل سهم مايكروسوفت ارتفاعا بنحو 12 في المئة، مدعوما بالطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي والحلول السحابية، إضافة إلى الأداء المالي القوي الذي أظهرته الشركة في نتائجها الفصلية.
رأى الخبير المالي رمزي قاسمية أن مكاسب قطاع التكنولوجيا لم تكن قائمة على التوقعات فقط، بل استندت إلى نتائج مالية قوية خلال الربع الأول من العام الجاري، حيث أظهرت التقارير أن نحو 80 في المئة من الشركات المدرجة أعلنت نتائج أرباح تجاوزت تقديرات المحللين، وهو من أعلى معدلات تجاوز التوقعات منذ الربع الثاني من عام 2021.
وقال قاسمية، في تصريحاته لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن هذه النتائج لم تتفوق على التقديرات بفوارق طفيفة، بل جاءت أعلى بشكل ملحوظ، ما عزز القناعة بأن الارتفاعات الحالية تستند إلى أسس مالية واقتصادية متينة.
وأشار إلى أنه من العوامل الأخرى التي دعمت صعود الأسهم الأمريكية تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى ما دون 4.6 في المئة واقترابها من مستوى 4.5 في المئة، مضيفا: "انخفاض العوائد عادة إلى زيادة جاذبية الأسهم مقارنة بالأدوات ذات الدخل الثابت، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتهم نحو أسواق الأسهم سعيا وراء عوائد أعلى".
كما ساهم تراجع أسعار النفط خلال الفترة الماضية في تقليل الضغوط على هوامش أرباح الشركات وخفض تكاليف التشغيل والإنتاج، الأمر الذي انعكس إيجابا على توقعات الأرباح المستقبلية للعديد من القطاعات الاقتصادية.
من جهة أخرى، لفت قاسمية إلى عودة ملحوظة للمستثمرين الأفراد، مدعومة بتحسن معنويات السوق وارتفاع مستويات الثقة. ويرى مراقبون أن التسهيلات التنظيمية والتطورات المتعلقة بالحسابات الاستثمارية للأفراد قد تشجع على تدفق المزيد من السيولة إلى الأسواق خلال الأشهر المقبلة، ما يعزز مستويات النشاط والتداول.
وأضاف أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم المحرك الرئيسي لارتفاعات السوق الأمريكية، وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات الرأسمالية المرتبطة بهذا القطاع ارتفعت بنحو 130 مليار دولار خلال الفترة الماضية، في ظل سباق عالمي بين الشركات الكبرى لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتوسيع قدراتها التقنية.
ولم يغفل الخبير المالي عن تأثير التطورات الجيوسياسية على تحركات الأسواق، حيث ساهمت مؤشرات خفض التصعيد في عدد من الملفات الدولية في تقليص حالة عدم اليقين التي كانت تسيطر على المستثمرين، وهو ما انعكس إيجابا على شهية المخاطرة ودعم استمرار تدفقات الأموال إلى أسواق الأسهم.
وتبدو المكاسب التي حققتها الأسواق الأمريكية خلال الشهر الجاري مدفوعة بمزيج من العوامل النقدية والاقتصادية ونتائج الشركات القوية، إلى جانب الطفرة المتواصلة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وفيما لا تزال التحديات قائمة، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن المستثمرين يراهنون على استمرار النمو وتحسن بيئة الأعمال، ما يفسر وصول المؤشرات الأمريكية إلى مستويات قياسية جديدة.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية


















0 تعليق