عربي ودولي
2
غزة انهيار المنظومة الطبية
غزة - قنا
تعاني المنظومة الصحية في قطاع غزة شللا تاما، ونزيفا حادا في قدراتها التشغيلية والتشخيصية، جراء تداعيات التدمير الإسرائيلي الذي طال المراكز والمستشفيات الرئيسية الحكومية والخاصة، وفي مقدمتها مجمعا "الشفاء" بمدينة غزة، و"ناصر" بمدينة خان يونس، وسط منع كلي لإدخال قطع الغيار، ومعدات الصيانة، والزيوت الفنية اللازمة لإصلاح الأجهزة والمحطات المتعطلة.
وفي خضم هذه الأوضاع، برزت أزمة نقص الأكسجين الطبي بوصفها أحد أخطر التحديات التي تواجه مستشفيات القطاع، مع تعطل محطات إنتاج الأكسجين وأجهزة التعبئة، واستمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المستلزمات اللازمة لصيانتها وإعادة تشغيلها، إلى جانب تعطل أجهزة طبية أخرى تضررت جراء القصف الذي طال المستشفيات خلال الحرب المستمرة، مما يهدد حياة المرضى والجرحى الذين تعتمد حالاتهم على إمدادات الأكسجين بصورة مباشرة.
وفي هذا السياق، كشف الدكتور محمد زقوت، مدير عام المستشفيات في قطاع غزة، عن أزمة حادة تعصف بمحطات توليد الأكسجين جراء توقف معظمها عن العمل لمنع الاحتلال إدخال قطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة للتشغيل والصيانة، محذرا من أن استمرار هذه الأزمة يهدد القدرات التشغيلية المتبقية للمستشفيات ويضع حياة عشرات المرضى والأطفال في الأقسام الحساسة والمنقذة للحياة أمام خطر الموت المباشر.
وأوضح، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن النقص الحاد في إمدادات الأكسجين يهدد بشلل الخدمات في 72 وحدة عناية مركزة، كما يعرض حياة الأطفال حديثي الولادة للخطر داخل 54 وحدة مخصصة للأطفال الخدج بالحضانات في ظل صعوبة الحفاظ على مستويات الأكسجين اللازمة، فضلا عن تأثر 19 وحدة للعناية المركزة للأطفال، التي باتت تعاني تراجعا كبيرا في قدرتها على تقديم الرعاية التنفسية للحالات الحادة والمزمنة.
ولفت مدير المستشفيات في قطاع غزة إلى أن غالبية محطات إنتاج الأكسجين في القطاع خرجت من الخدمة بشكل كامل، بينما تعمل المحطات المتبقية بأقصى طاقتها وفي ظل ظروف ميكانيكية معقدة، مطالبا بفتح المعابر بصورة عاجلة لإدخال قطع الغيار ومستلزمات الصيانة والمعدات الفنية اللازمة تفاديا لتفاقم الأزمة ووقوع كارثة صحية شاملة.
وفي السياق، أكد المهندس مازن العرايشي، مدير عام الهندسة والصيانة في وزارة الصحة، أن 12 محطة فقط من أصل 34 محطة لتوليد الأكسجين في قطاع غزة تعمل حاليا، بعد خروج 22 محطة عن الخدمة، مشيرا إلى أن المحطات المتبقية تعمل فوق طاقتها التشغيلية وفي ظروف فنية بالغة التعقيد، مع استمرار الأعطال الميكانيكية والفنية وتراجع القدرة على إجراء أعمال الصيانة اللازمة.
ولفت في تصريح لـ/قنا/ إلى أن منظومة تعبئة أسطوانات الأكسجين تواجه أزمة مماثلة؛ إذ لا يعمل حاليا سوى 4 أجهزة من أصل 30 جهازا مخصصة لتعبئة الأسطوانات، مما يضع قدرة القطاع الصحي على إنتاج الأكسجين وتعبئته وتوزيعه أمام خطر الانهيار في أي وقت.
وأوضح أن الأكسجين يمثل شريانا حيويا للعديد من الخدمات الطبية المنقذة للحياة؛ إذ تعتمد أقسام العناية المركزة، وحضانات الأطفال وحديثي الولادة، وغرف العمليات، والطوارئ، وغيرها من الأقسام الطبية، على إمداداته بدرجات متفاوتة، بينما يعتمد عدد من المرضى الذين يتلقون العلاج في منازلهم عليه بصورة أساسية ومستمرة، محذرا من أن توقف أي من المحطات المتبقية أو تراجع قدرتها على الإنتاج والتعبئة قد يؤدي إلى تعطيل خدمات طبية أساسية، والحد من قدرة المستشفيات على إجراء العمليات وتقديم الرعاية للحالات الحرجة، وتعريض حياة المرضى الذين يعتمدون على الأكسجين لخطر مباشر.
من جانبه، أكد المهندس محمد النجار، أحد موظفي مجمع ناصر الطبي جنوبي قطاع غزة، أن تفاقم الأعطال ونقص الزيوت وقطع الغيار أدى إلى توقف أربع محطات لتوليد الأكسجين بالمجمع من أصل ست محطات، مشيرا إلى أن المحطتين المتبقيتين تعملان بقدرة إنتاجية لا تتجاوز 600 متر مكعب في الدقيقة.
وأوضح، في تصريح لـ/قنا/، أن هذا التراجع الإنتاجي يأتي في ظل عبء سكاني وضغط هائل يعيشه المجمع الطبي عقب نزوح أعداد كبيرة من المواطنين الفلسطينيين إلى مدينة خان يونس، ليقارب عدد السكان والمستفيدين نحو مليون نسمة، وهو ما جعل إنتاجية المحطات عاجزة عن تلبية الاحتياج اليومي للمجمع والذي يتجاوز 1200 متر مكعب يوميا، ناهيك عن احتياجات المستشفيات الميدانية والمؤسسات الصحية الخارجية.
وحذر من خسارة المحطات المتبقية وأجهزة تعبئة الأسطوانات للمرضى الخارجيين في أي لحظة مع استمرار إغلاق المعابر ومنع توريد الزيوت وقطع الغيار، مما سينعكس سلبا وبشكل كارثي على توفير الأكسجين لمرضى الجهاز التنفسي والسريريين داخل المجمع وخارجه.
وعلى جانب آخر من أزمات القطاع الصحي في غزة، يتعقد المشهد في ظل فقدان وتلف عدد كبير من الأجهزة التشخيصية بمجمع الشفاء الطبي غربي مدينة غزة بفعل التدمير والقصف الإسرائيلي، الذي استهدف المستشفى أكثر من مرة خلال العمليات العسكرية عليها.
وحقوقيا، حذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، من الانهيار المتسارع في منظومة إنتاج وتعبئة الأكسجين الطبي في قطاع غزة، معتبرا أن هذه الأزمة تمثل امتدادا مباشرا للانهيار المنهجي الذي طال المنظومة الصحية منذ بدء الإبادة الجماعية في قطاع غزة، نتيجة التدمير واسع النطاق للمرافق الصحية، وتعطيل قدراتها التشغيلية، واستنزاف معداتها، والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال المعدات وقطع الغيار والمواد اللازمة لإعادة تشغيل المنشآت الصحية وصيانتها.
وأكد المركز، في بيان صحفي حول الأزمة الصحية في مستشفيات غزة، أن استمرار الاحتلال في منع توريد محطات أكسجين جديدة وقطع الغيار اللازمة لأعمال الصيانة الوقائية والطارئة للمحطات القائمة، يفاقم المخاطر التي تهدد حياة المرضى والجرحى، وينذر بتوقف خدمات طبية وعلاجية منقذة للحياة، في ظل تزايد الاحتياجات وتراجع القدرة التشغيلية للمرافق الصحية.
وشدد على أن إنقاذ منظومة إنتاج وتعبئة الأكسجين الطبي وإعادة تأهيل قدراتها يتطلبان تدخلا عاجلا وفعالا لضمان تزويدها بالمعدات وقطع الغيار والمواد اللازمة، وتمكين الطواقم الفنية من إجراء أعمال الصيانة والإصلاح، بما يكفل استمرارية خدمات الأكسجين الطبي وحماية الحق في الحياة والصحة والعلاج للمرضى والمدنيين في قطاع غزة.
اعتبر المركز أن نقص الأكسجين وتعطل محطات إنتاجه وأجهزة تعبئته، إلى جانب القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال مستلزمات صيانتها، يشكل انتهاكا جسيما للالتزامات المقررة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأشار إلى أن الحرمان من الأكسجين والعلاج المنقذ للحياة، خصوصا عندما يترافق مع تدمير المنشآت الصحية وعرقلة وصول الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، يندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، التي تحظر إخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية


















0 تعليق