حوارات رئيس التحرير
12

حوار : جابر الحرمي - عمرو عبدالرحمن / تصـوير: راجان
■ تنسيق مباشر مع وزارة العمل وديوان الخدمة لضبط مخرجات التعليم
■ «تخطيط القوى العاملة» ترسم خريطة التخصصات عبر بيانات دقيقة
■ تركيز متزايد على تخصصات STEM لمواكبة التحولات الاقتصادية
■ حرية اختيار التخصص مكفولة مع توجيه نحو الوظائف المستقبلية
■ إعادة رسم خريطة التخصصات وفق احتياجات سوق العمل
■ مراجعة البرامج الجامعية وتحويل أو إغلاق التخصصات غير المطلوبة
■ أي طلبات لافتتاح فروع لجامعات جديدة يجب أن تكون ضمن أفضل 300 عالميًا
■ رفض طلبات جامعتين أجنبيتين لعدم استيفاء التصنيف وتشبع التخصصات
■ نشجع استقطاب جامعات في التخصصات الطبية بسبب قوائم الانتظار
■ معادلة الشهادات عند إثبات جودة الجامعة رغم غياب الموافقة المسبقة
■ مسارات مرنة للموظفين لاستكمال الدراسة عبر كلية المجتمع وجامعة قطر
■ توسيع قائمة النفقة الخاصة إلى أفضل 400 جامعة في كل تخصص
■ سقف أعداد للطلبة في الجامعات لمنع التكدس وتعزيز الاندماج الثقافي
■ 450 طبيبًا قطريًا على مقاعد الدراسة يشكلون 50 % من الكوادر المستقبلية
كشف الدكتور حارب محمد سعيد الجابري، الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، عن حزمة من السياسات والإجراءات التي تعكس تحولاً نوعياً في إدارة قطاع التعليم العالي بدولة قطر، مؤكداً أن المنظومة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية هي إتاحة الوصول، وضمان الجودة، والمواءمة مع سوق العمل، في إطار تنسيق مباشر مع ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي ووزارة العمل، إلى جانب دور «اللجنة الوطنية لتخطيط القوى العاملة» في رسم خريطة التخصصات بناءً على بيانات دقيقة. مشيراً إلى أن هذه الجهود أسهمت في تحقيق معدلات بطالة تُعد من الأدنى عالميًا وتبلغ نحو 0.01%.

وأوضح د. حارب الجابري في حوار شامل لـ»الشرق» أن توجيه الطلبة يبدأ مبكرًا من الصف التاسع عبر منظومة إرشاد أكاديمي متكاملة، مع الحفاظ على حرية الطالب في اختيار تخصصه، لكن ضمن مسارات مدروسة تضمن فرصًا وظيفية مستقبلية، لافتًا إلى أن الوزارة تتابع باستمرار مخرجات البرامج الجامعية، وتعمل على مراجعتها وإعادة تصميمها أو إغلاقها في حال عدم توافقها مع احتياجات السوق.
كما كشف عن اشتراط أن تكون أي جامعة جديدة ضمن أفضل 300 جامعة عالميًا، مع رفض طلبات حديثة لعدم استيفاء هذا المعيار أو بسبب تشبع بعض التخصصات، مقابل تشجيع استقطاب جامعات نوعية في التخصصات الطبية نظرًا لقوائم الانتظار، مع التأكيد على ضبط الرسوم الدراسية منذ الترخيص وعدم السماح بزيادتها إلا بموافقة مسبقة.
وفي ملف الابتعاث، أشار إلى إطلاق معايير جديدة ترتكز على المواهب إلى جانب التحصيل الأكاديمي، بما يشمل مسارات الاقتصاد الإبداعي والابتعاث الرياضي، مع اعتماد قوائم لأفضل 200 جامعة عالميًا لكل تخصص، ما أسهم في توجيه 46% من المبتعثين خلال عام 2025 إلى أفضل 100 جامعة عالميًا. كما تم وضع سقوف لأعداد الطلبة في الجامعات لمنع التكدس وتعزيز الاندماج الثقافي، إلى جانب توسيع خيارات الدراسة على النفقة الخاصة لتشمل أفضل 400 جامعة عالميًا، واعتماد 14 إلى 15 جامعة عربية ضمن أفضل 50 جامعة في المنطقة.
وكشف الجابري عن وجود نحو 1000 مبتعث في الخارج مقابل 4000 طالب داخل الدولة، ما يعكس قوة المنظومة التعليمية المحلية، إلى جانب وجود أكثر من 450 طبيبًا قطريًا على مقاعد الدراسة يمثلون نحو 50% من الكوادر الحالية والمستقبلية في القطاع الصحي.
وكشف وكيل الوزارة المساعدة لشؤون التعليم العالي، عن خطط لاستيعاب ذوي الإعاقة من المستوى الثالث في الجامعات، وتوفير مسارات مرنة للموظفين وخريجي تعليم الكبار، من خلال اتفاقيات مع جامعة لوسيل وكلية المجتمع وجامعة قطر، واستمرار العمل على إعداد قانون شامل للتعليم العالي يعزز الحوكمة ويواكب التوسع في الشراكات الأكاديمية، مؤكدًا أن هذه السياسات مجتمعة تهدف إلى ترسيخ مكانة قطر كوجهة تعليمية عالمية، قائمة على الجودة والتكامل والاستدامة.

◄ اليوم حين نتحدث عن التعليم العالي في قطر، فإننا لا نتحدث فقط عن مرحلة تعليمية، بل عن قطاع يرتبط مباشرة برؤية قطر الوطنية 2030 وبمشروع التنمية البشرية والاقتصادية في الدولة. كيف تترجمون هذه الرؤية داخل قطاع التعليم العالي؟ وكيف تتحول من مبادئ استراتيجية إلى سياسات عملية تنعكس على أرض الواقع وعلى سوق العمل؟
للإجابة عن سؤالك، فإن المحور الاستراتيجي الأساسي الذي نرتكز عليه هو "توفير فرص التعليم العالي لجميع أفراد المجتمع"، ويشمل ذلك القطريين، المقيمين، وذوي الإعاقة. ومن هذا المحور الرئيسي، تنبثق ثلاثة محاور استراتيجية فرعية ومهمة نركز عليها بالتنسيق مع مؤسسات التعليم العالي، وهي: الوصول للتعليم العالي، ضمان الجودة، والمواءمة مع سوق العمل.
• تحديات سوق العمل المتسارعة
◄ المواءمة مع سوق العمل باتت الشغل الشاغل للقطاعين الأكاديمي والمهني. كيف تبنون جسور التنسيق مع مؤسسات الدولة لتوجيه هذه المؤسسات الأكاديمية المستقلة نحو الاحتياجات الفعلية للسوق؟
منهجيتنا تعتمد على التنسيق المباشر. في القطاع الحكومي نتواصل مباشرة مع ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، وفي القطاع الخاص ننسق مع وزارة العمل.
والأهم من ذلك، التنسيق الذي يتم عبر اللجنة الوطنية لتخطيط القوى العاملة، والتي تضم أعضاء من معظم الجهات التي تدير سوق العمل بشقيه. هذه اللجنة بدأت أعمالها منذ سنة ونصف تقريباً، وللأمانة نتائجها مبشرة جداً. من خلالها، استطعنا إحصاء جميع الطلبة الملتحقين بالجامعات، تخصصاتهم، وتوجهاتهم. وبناءً على هذه البيانات الدقيقة، نعمل على توجيه مؤسسات التعليم العالي، لأننا نحتاج لمعرفة توجهات السوق لنتمكن من توجيه المؤسسات التعليمية وتوجيه الطلبة نحو هذه الاحتياجات.
◄ لكن دكتور، متطلبات سوق العمل تتسم بالديناميكية والتغير السريع، كما رأينا في طفرة الأمن السيبراني مؤخراً، بينما يحتاج التأهيل الجامعي لأربع سنوات على الأقل. كيف تتعاملون مع هذه الفجوة الزمنية؟
يجب أن نكون واقعيين؛ متطلبات السوق ليست ثابتة بل تتغير بسرعة فائقة، ومثال الأمن السيبراني الذي ذكرته دقيق جداً؛ فقبل سنتين لم يكن أولوية قصوى، واليوم هو في الصدارة.
فالعملية التعليمية تأخذ وقتاً للإعداد، وهذا يشكل تحدياً حقيقياً. ولكن أطمئنك، قضية عدم المواءمة لبعض التخصصات وتأثيرها على البطالة ضئيلة جداً ولله الحمد.
بالأمس فقط اطلعت على تقرير يوضح أن معدلات البطالة في قطر هي الأقل عالمياً وتبلغ تقريباً (0.01%). هناك بعض التخصصات التي يطول فيها انتظار الباحث عن عمل حتى يجد وظيفة، وهذا تحدٍ نراقبه ونعالجه، لكنه ليس بالسوء الذي قد يتوقعه البعض.
توجهنا الحالي يركز بكثافة على مسارات «STEM» (العلوم، التكنولوجيا، والهندسة) مع مراعاة مدروسة لبعض مسارات العلوم الإنسانية والاجتماعية.
◄ هذا يقودنا لنقطة جوهرية؛ متى يبدأ هذا الإرشاد الأكاديمي الفعلي؟ هل تنتظرون الطالب حتى أبواب التخرج من المرحلة الثانوية؟
الإرشاد الأكاديمي لا ينتظر المرحلة الثانوية، بل يبدأ مبكراً من الصف التاسع. في الصفين التاسع والعاشر، يبدأ المرشد الأكاديمي بتوجيه الطلبة نحو مسارات العلوم والتكنولوجيا كإرشاد أولي، لأن متطلبات السوق تتركز في الطب والهندسة والعلوم. كما أن المسار العلمي يمنح مرونة للانتقال للمسار الأدبي لاحقاً، بينما العكس غير صحيح. ثم في الصفين الحادي عشر والثاني عشر، يبدأ التوجيه نحو التخصصات الدقيقة التي تتناسب مع ميول وقدرات الطالب.
◄ وماذا عن الحوكمة على مستوى البرامج الجامعية نفسها؟ ماذا لو استمر برنامج جامعي في تخريج تخصصات لا يحتاجها السوق وتكدس خريجوه؟
هذا يتم من خلال حوكمة طرح البرامج بالتنسيق المباشر مع مؤسسات التعليم العالي. إذا وجدنا، بناءً على معطيات سوق العمل، أن برنامجاً معيناً يسبب تحدياً (كزيادة الباحثين عن عمل في هذا التخصص)، ننسق فوراً مع الجامعة للبدء في النظر في تحويل هذا البرنامج، أو إعادة تصميمه من جديد، أو حتى إغلاقه بشكل تام.

• الاستثمار في التعليم العالي
◄ بالحديث عن مؤسسات التعليم العالي، ما المعايير والاشتراطات الصارمة التي تضعونها أمام من يرغب في افتتاح فروع لجامعات دولية في الدوحة؟
معاييرنا لا تقبل المساومة. لفتح أي مؤسسة تعليم عال في قطر بالشراكة مع جامعة دولية، الشرط الأول والأساسي: يجب ألا يقل تصنيف هذه الجامعة عن أفضل 300 جامعة على مستوى العالم. السبب في ذلك أن منظومتنا تميزت بمؤسسات مرموقة كمؤسسات المدينة التعليمية، وجامعة قطر التي يقارب تصنيفها الـ 120 عالمياً. فلا يُعقل أن نرضى بدخول مؤسسة تقل عن أفضل 300 جامعة في العالم.
بعد استيفاء هذا الشرط، ننظر في الكليات والبرامج ونموذج الشراكة. الأمر الثاني والمهم جداً هو ضمان التكامل وعدم المنافسة. يجب أن نضمن أن المؤسسة الجديدة ستحقق تكاملاً مع المنظومة ولا تخلق تنافساً غير مبرر مع المؤسسات القائمة.
◄ نرى دولاً مجاورة تفتح الباب على مصراعيه لافتتاح الجامعات لخلق تنافسية. لماذا تتجنبون المنافسة وتقيدون الأمر بالتكامل؟ ألا تخشون أن يخلق ذلك احتكاراً يؤدي لرفع الرسوم الدراسية على الطلاب؟
نحن نضمن عدم حدوث هذا الاستغلال؛ فرسوم مؤسسات التعليم العالي تُحدد منذ لحظة الترخيص، ولا يحق لأي مؤسسة رفع رسومها إلا بموافقة مسبقة من الوزارة.
أما لماذا نفضل التكامل؟ لأننا في دولة ذات تعداد سكاني محدد، والاستثمار في قطاع التعليم يتطلب تكاليف باهظة من القطاع الخاص. نحن نشجع الاستثمار، ومن واجبنا ضمان نجاح المستثمر وأن يحصل على حصته من استقطاب الطلبة دون إقحامه في منافسة قد تضر بالجميع.
◄ بناءً على هذه الرؤية التنظيمية، هل تشهدون إقبالاً من المستثمرين لضخ أموالهم وتقديم طلبات في قطاع التعليم العالي القطري؟
نعم، نتلقى طلبات مستمرة ويتم تقييمها بدقة. هناك توجه واضح للاستثمار في هذا القطاع، وآخر جامعة تم إنشاؤها هي جامعة برزان خلال عام 2025.
اليوم وصلنا إلى 26 مؤسسة تعليم عال (6 عامة، 10 ذات نفع عام، 10 خاصة)، وهو رقم كافٍ جداً لتعداد السكان. ومؤخراً تلقينا طلبين لفتح جامعات، وبعد تقييمهما تم التوجيه بعدم المضي فيهما، إما لعدم استيفاء شرط التصنيف العالمي، أو لأن التخصصات المطروحة يوجد اكتفاء منها في المنظومة. ونحن نشجع على الاستثمار في التخصصات التي بها إقبال كبير مثل تخصص الطب، نظراً لقوائم الانتظار الطويلة في هذا التخصص تحديداً، فنحن نشجع على استقطاب أفضل الجامعات العالمية في هذا التخصص.
• معايير الابتعاث وقوائم النخبة
◄ ملف الابتعاث يشكل أهمية قصوى للأسرة القطرية. شهد هذا الملف مؤخراً إطلاق معايير جديدة ومبتكرة. لو تضعنا في صورة هذه التحولات الجوهرية؟
في عام 2024، أطلقنا معايير ابتعاث جديدة شكلت نقلة نوعية. أصبح الابتعاث لا يُبنى فقط على التحصيل الأكاديمي، بل أيضاً على المواهب.
لقد خلقنا مسارات مبتكرة تماماً مثل الابتعاث الرياضي ومسار الاقتصاد الإبداعي. الهدف لم يعد مقتصراً على تخريج باحث عن وظيفة، بل توفير بيئة لرائد الأعمال، الموهوب، الفنان، والرياضي ليشق طريقه في مجال موهبته.
◄ كيف تضمنون بقاء هذه الجامعات على نفس مستوى الرصانة؟ وما آلياتكم للتعامل مع ظاهرة التكدس الطلابي في مدن أو جامعات معينة والذي قد يعيق الاندماج الثقافي للطالب؟
القوائم تخضع لمراجعة سنوية صارمة. نراجع المستوى الأكاديمي وتصنيف الجامعة المستقر. أما بخصوص التكدس، فهذا أمر نراعيه بشدة. لا نرغب في تشكيل تكتلات مجتمعية للطلبة في الخارج، بل نريد للطالب أن ينخرط في ثقافة الدولة التي يدرس بها ويمارس لغتها وأنشطتها. لذلك وضعنا سقفاً للعدد لكل جامعة، وإذا وصل عدد طلبتنا لهذا السقف، تُستبعد الجامعة مؤقتاً من القائمة.
ولله الحمد، المعايير أثمرت؛ إحصائيات عام 2025 تظهر أن ما يقارب 46% من مبتعثينا ذهبوا لأفضل 100 جامعة على مستوى العالم، والبقية لأفضل 200. وفي قوائم 2026/2027 تم استبعاد جامعات التكدس وإضافة جامعات جديدة حسب متطلبات سوق العمل.
◄ وبالنسبة لمن لم يحالفه الحظ في الابتعاث الحكومي ويرغب بالدراسة على النفقة الخاصة، وخاصة الراغبين بالدراسة في محيطنا الإقليمي العربي؟
منحنا مرونة أكبر لطلبة النفقة الخاصة، حيث وسعنا القائمة لتشمل أفضل 400 جامعة لكل مسار لتوفير فرص أكثر. أما في الدول العربية، فقد اخترنا أفضل 50 جامعة عربية، وأدرجنا منها حوالي 14 إلى 15 جامعة معتمدة في دول مثل الكويت، عمان، ومصر. ومؤخراً أضفنا جامعتين للدراسات العليا في لبنان والأردن، لضمان التنوع للراغبين في الدراسة باللغة العربية.

• أعداد المبتعثين
◄ كم يبلغ عدد المبتعثين التابعين لوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حالياً؟ وكيف تتوزع خريطة تخصصاتهم، لا سيما في القطاع الصحي؟
يجب أن نشير أولاً إلى أننا نتحدث هنا عن المبتعثين من قِبل الوزارة تحديداً، حيث توجد جهات ابتعاث أخرى في الدولة كالجهات العسكرية والطاقة والخطوط الجوية القطرية. بالنسبة لمبتعثي الوزارة، لدينا ما يقارب 1000 طالب في الخارج، والتخصصات مفتوحة وممتدة لتشمل كافة المجالات الحيوية.
أما في قطاع الطب والطب المساعد، فلدينا أرقام مبشرة جداً؛ إذ يوجد اليوم أكثر من 450 طبيباً قطرياً على مقاعد الدراسة، وهذا العدد الضخم يمثل تقريباً 50% من إجمالي الكوادر الموجودة حالياً في المؤسسات الصحية، مما يعكس طفرة قادمة في تقطير هذا القطاع الحيوي.
◄ ذكرتم وجود 1000 طالب في الخارج، بينما تشير الإحصاءات إلى وجود نحو 4000 مبتعث في الداخل. كيف تقرؤون هذا التباين، وهل يعكس قوة منظومة التعليم العالي المحلية؟
هذا التباين هو مؤشر نجاح وقوة لمنظومتنا الوطنية. العدد في الداخل يصل لـ 4000 طالب لأن منظومة التعليم العالي في قطر أصبحت غنية ومنافسة عالمياً؛ فاليوم لدينا جامعات مرموقة ذات تصنيف عالٍ ومخرجات نوعية، سواء في جامعة قطر أو المدينة التعليمية أو جامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا وغيرها. الطالب القطري أصبح يطمح وبقوة للالتحاق بهذه المؤسسات الوطنية لجودتها، بينما يتركز الابتعاث الخارجي على تخصصات نوعية ومسارات محددة.
• الجودة والتعليم عن بُعد
◄ د. حارب، الجودة هي الرهان الأكبر. كيف تخضعون البرامج الأكاديمية المحلية للتقييم؟ هل تكتفون بالتقارير الورقية أم أن هناك أدوات قياس ميدانية وفعلية؟
الأمر أبعد ما يكون عن التقارير النظرية. لدينا اللجنة الوطنية للاعتماد الأكاديمي التي بدأت عملها التنفيذي منذ سنة ونصف. كلية المجتمع حصلت على أول اعتماد أكاديمي، وهناك جامعات كثيرة تحت المراجعة. فريق الترخيص بالوزارة يقوم بزيارات ميدانية مستمرة. أدوات التقييم لدينا تعتمد على 4 معايير:
1. تطوير المعرفة: مدى قوة تصميم البرنامج ومحكميه الدوليين.
2. نقل المعرفة: كفاءة الأساتذة وتصنيفهم العالمي (H-index).
3. الاعتمادات الدولية للبرنامج نفسه.
4.رضا سوق العمل: وهو المعيار الأهم والحكم النهائي، ونحن نعمل حالياً على قياس مدى رضا جهات العمل وأصحاب المصلحة عن مخرجات هذه الجامعات.
◄ الحديث عن التطور التكنولوجي يقودنا حتماً إلى ملف التعليم عن بُعد الذي فرض نفسه بقوة. ما الموقف الرسمي للوزارة منه، وهل طويتم أخيراً صفحة ما كان يُعرف بنظام الانتساب؟
نعم، أستطيع القول إن كلمة ونظام الانتساب اختفى تماماً بعد التطور الهائل في أدوات التعليم عن بُعد، والذي أصبح واقعاً ونظاماً تعليمياً معتمداً عالمياً. لقد راعينا هذا التحول، وتم اعتماد سياسة داخلية للتعليم عن بُعد في مؤسسات التعليم العالي بقطر خلال عام 2024. أما خارجياً، فلدينا قائمة معتمدة لجامعات في 4 دول أجنبية يُسمح بالحصول منها على شهادات معتمدة بنظام التعليم عن بُعد.
• مستقبل البحث العلمي والابتكار
◄ أشرتم إلى قوة جامعاتنا؛ وهذا يقودنا إلى ملف البحث العلمي الذي يُعد مقياساً لوزن أي جامعة. إلى أي مدى قطعتم أشواطاً في التعاون مع جهات مثل صندوق قطر للبحث العلمي وحاضنات الأعمال؟ وكيف ينعكس ذلك على استقطاب الكفاءات والعلماء لقطاع التعليم العالي؟
عملنا مستمر ومتقاطع مع مركز البحوث في كافة المراحل التعليمية، ليس فقط في التعليم العالي بل يمتد لدعم طلبة المدارس أيضاً. التنسيق والتعاون بيننا كبير جداً في مجال دعم البحوث وخلق برامج بحثية تخصصية. أما فيما يتعلق بنقل المعرفة والاستفادة الفعلية من مخرجات هذه الأبحاث الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي، فالعمل جارٍ عليه، وللأمانة، نحن نطلب جهوداً إضافية لتعظيم الاستفادة من هذه المخرجات البحثية.
وعلى صعيد استقطاب الكفاءات والعلماء، فإننا نفخر بالمستوى الذي وصلنا إليه؛ فعلى سبيل المثال، تضم جامعة قطر ضمن أعضاء هيئة التدريس لديها كفاءات علمية مصنفة ضمن أفضل (2%) من العلماء على مستوى العالم، وهذا دليل على جودة البيئة الأكاديمية والبحثية لدينا.
• تعليم ذوي الإعاقة والموظفين
◄ منظومة التعليم الناجحة هي التي لا تترك أحداً خلف الركب. ماذا قدمتم لذوي الإعاقة، وتحديداً الحالات الشديدة أو ما يُعرف بـ (المستوى الثالث) التي طالما ناشد ذووها لإيجاد حلول أكاديمية لهم؟
الفئات من المستوى الأول والثاني يتم استيعابها بسلاسة في مؤسسات التعليم العالي. التحدي والمناشدات كانت تتعلق بالفئة الأصعب وهي «المستوى الثالث» لغياب التجهيزات الخاصة بهم في بعض الجامعات. وأؤكد لكم هنا أن العمل قائم في الوزارة، بتوجيه وإشراف مباشر من سعادة وزيرة التربية والتعليم، لخلق برامج متخصصة في بعض مؤسسات التعليم العالي تستوعب فئة المستوى الثالث. نعمل بجد على هذا الملف وسنعلنه رسمياً فور اكتماله قريباً.
◄ وماذا عن الفئات الأخرى كالموظفين الطامحين لاستكمال دراستهم، أو ربات البيوت، أو خريجي ما كان يُعرف سابقاً بـ «تعليم الكبار»؟
عملنا على تذليل هذه العقبات. بالنسبة لمن درسوا بنظام «تعليم الكبار»، والذين كانت شهاداتهم تُمنح سابقاً لأغراض التوظيف فقط، قمنا بعقد اتفاقية مع جامعة لوسيل لقبولهم عبر دراسة سنة تجسير تمهيداً لإكمال البرنامج الجامعي. وللموظفين، توفر كلية المجتمع فرصاً واسعة، وهناك اتفاقية تكامل مع جامعة قطر تتيح لخريجي الدبلوم في كلية المجتمع الالتحاق بجامعة قطر لإكمال دراساتهم. الفرص متاحة وميسرة للجميع للعودة إلى مقاعد الدراسة.
◄ تكثر التساؤلات حول إجراءات معادلة الشهادات الصادرة من الخارج، وتحديداً ضرورة الحصول على الموافقة المسبقة للدارسين على نفقتهم الخاصة. لماذا هذا التشريع الصارم؟ وكيف تتعاملون مع من التحق بجامعة دون الحصول على هذه الموافقة؟
دعني أوضح أمراً في غاية الأهمية؛ وضع قوائم الجامعات وتشريع قانون الموافقة المسبقة قبل الدراسة على النفقة الخاصة جاء أساساً للحفاظ على حقوق الطالب ومستقبله. نحن نريد أن نضمن في نهاية المطاف أن الطالب سيتجه لجامعة تقدم برامج أكاديمية ذات جودة، ونضمن له في الوقت ذاته أن شهادته ستُعادل بمجرد انتهاء دراسته دون أي تحديات أو مفاجآت.
أما في حال وجود طالب درس دون الحصول على الموافقة المسبقة، فهذا لا يعني أننا لا ننظر لشهادته أو نرفض معالجتها مطلقاً. إذا تبين بعد التقييم أن الجامعة التي درس بها مرموقة وتقدم تعليماً نوعياً بجودة عالية، فإنه يُنظر في معادلة شهادته.
ولكننا دائماً نتساءل: لماذا المخاطرة؟ نحن نتحدث عن أربع سنوات من الجهد والإنفاق المالي، فلماذا يضع الطالب نفسه في هذه المخاطرة العالية بدلاً من التقديم على الموافقة المسبقة وضمان حقه سلفاً؟ نحن في النهاية مرشدون وناصحون للطلبة، ولسنا معرقلين للعملية التعليمية، وكل هذه الأسس وُضعت لحمايتهم.
• قانون التعليم العالي المرتقب
◄ ختاماً سعادة الدكتور، بالنظر إلى هذا الحجم الهائل من الشراكات وتنوع المؤسسات الأكاديمية محلياً ودولياً، متى نرى قانون التعليم العالي الذي يؤطر هذه المنظومة ويضبط إيقاع حوكمتها؟
لقد قطعنا شوطاً كبيراً في الحوكمة عبر اللجنة الوطنية للاعتماد الأكاديمي، لكننا بالفعل نفتقد لوجود قانون شامل للتعليم العالي في الدولة. وجاري العمل حالياً على إنشاء قانون للتعليم العالي يضمن الحوكمة لمؤسسات التعليم العالي في الدولة.
اليوم، دولة قطر بكل فخر أصبحت وجهة للتعليم العالي، وجامعاتنا بشراكاتها وإنتاجها البحثي أصبحت محط أنظار العالم. والفرص التي تقدمها الدولة عبر مؤسساتها المختلفة، كصندوق قطر للتنمية، والتعليم فوق الجميع، ومنح جامعة قطر وجامعة الدوحة، تعكس هذا الدور الريادي لقطاعنا الأكاديمي.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية


















0 تعليق