نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«ترى عادي.. تصير أنت السالفة اللي يضحكون عليها!», اليوم الخميس 25 يونيو 2026 12:19 صباحاً
لعنة الاستهزاء: من يضحك على عثرات الآخرين، يتجمد حين يحاول!
الأسوأ من أن يضحك عليك الناس بسبب محاولة فاشلة، هو أن تنتهي حياتك وأنت لم تحاول أصلا خوفا من ضحكهم! «ترى عادي» أن تجرب شيئا جديدا وتفشل، وتصبح محاولتك المرتبكة مادة للتسلية في مجلس، أو «قروب» واتساب، أو حتى تويتر لبضع ساعات. الناس ستضحك ثم تنسى وتكمل حياتها، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما ترتعب أنت من هذه الضحكة العابرة لدرجة تصيبك بالشلل والعزوف عن المحاولة والتجربة، وتختار طوعا أن تعيش حياة محدودة ومقيدة بقدرتك على إتقان ما ستظهر به فقط! هل سألت نفسك يوما: لماذا نضخم هذا الخوف ونجعله وحشا يلتهم طموحاتنا؟ الإجابة الصادمة: لأننا نحن من صنعنا هذا الوحش بطريقة تفكيرنا وألسنتنا!
الجلوس في مقاعد المتفرجين مريح ومغر جدا؛ فهو لا يتطلب جهدا ولا شجاعة. لا شيء أسهل من أن نمسك بعدسة مكبرة، ونبدأ في اصطياد عثرات من تجرؤوا على النزول إلى ساحة الحياة؛ نضحك على هذا لأن أداءه مرتبك و»يستحي»، ونسخر من تلك لأن بدايتها متواضعة، ونوزع أحكامنا من أبراجنا الآمنة.
قد نعتقد في تلك اللحظات أن سخريتنا مجرد تسلية مجانية، لكننا نغفل عن حقيقة نفسية مهمة: أنت لا تجرح الشخص الآخر فقط، بل تبني بلسانك سجنك النفسي الذي ستقبع فيه طوال حياتك! وفي هذا السياق، يقول عالم النفس التحليلي «كارل يونغ» عبارة دقيقة تفضح هذا السلوك «كل ما يزعجنا ونسخر منه في الآخرين، هو في الحقيقة رسالة تقودنا لفهم عقدنا ومخاوفنا نحن».
وبصيغة أدق: كل سخرية تقذف بها غيرك، هي بمثابة (كود برمجي خبيث) تزرعه في نظام عقلك الباطن، وكأنك تبرمجه قائلا: عزيزي العقل، هذه هي قوانين اللعبة.. إذا سولت لي نفسي يوما أن أجرب وأخفق، فعل وضع التدمير الذاتي فورا، وعاملني بالمثل، واسلخ ثقتي بنفسي بهذا السوط وبلا أي رحمة!
عندما تقضي وقتك في السخرية من إخفاقات الآخرين، أنت فعليا ترسل رسالة مشفرة إلى جهاز الإنذار في رأسك مفادها: الخطأ فضيحة.. إحراج البدايات غير مقبول.. والظهور بمظهر المتعثر هو عار اجتماعي لا يغتفر.
الضريبة الأكبر لهذه اللعنة ليست التراجع عن تصوير فيديو أو فشلا عابرا، بل هي في عيش حياة محدودة. الخوف المتوهم من ارتكاب الخطأ يجعل الشخص الساخر يقلص دوائر أمانه يوما بعد يوم، حتى يصبح محبوسا في روتين لا يتغير، ومكتفيا بأشياء يتقنها لا تجعله يتعرض لأي شعور بعدم الراحة.
تأمل في محيطك؛ ستجد أن من يحترفون النقد الدائم يمتلكون حيوات فقيرة بالتجارب. لا يتعلمون مهارة جديدة، ولا يغيرون مساراتهم المهنية، ولا يوسعون دوائر علاقاتهم.. إلخ، لماذا؟ لأن أي تجربة جديدة تتطلب المحاولة والخطأ والتعثر والإحراج والارتباك أحيانا، وهم يرتعبون من أن يظهروا بمظهر المتعثر الذي طالما سخروا منه. هكذا يغلف الساخر نفسه بمجموعة من المهارات المألوفة التي يتقنها سلفا، ويكتفي بلعب الأدوار المضمونة هربا من أي تجربة قد تسبب له «مغصا» أو شعورا بالارتباك.
يلخص الفيلسوف الرواقي الشهير «إبكتيتوس» هذا المأزق بقاعدة ذهبية يقول فيها: إذا أردت أن تتطور وتتعلم، يجب أن تتقبل فكرة أن تبدو غبيا أو أحمق في البداية. الساخر يرفض تماما أن يبدو أحمق للحظة واحدة، فيدفع الثمن بأن يبقى في مكانه للأبد.
كيف نكسر هذا القيد؟ كيف نوسع حيواتنا ونتجرأ على خوض تجارب جديدة دون رعب؟
الحل يكمن في إحداث «هندسة عكسية» لبرمجتك العقلية؛ ابدأ من اليوم في تغيير الرسائل التي تطلقها تجاه الآخرين، لكي يغير عقلك الرسائل التي يوجهها لك حين يجيء دورك.
القاعدة بسيطة: عندما ترى شخصا يتعثر في بداية مشروعه، أو يطرح فكرة بارتباك، أو يبدو غير متمكن، أوقف ماكينة السخرية فورا واستبدلها بالثناء والتشجيع. قل بوضوح لنفسك أو لمن معك: شجاعة المحاولة تكفي، ومن لا يخطئ لا يتعلم.. أرفع القبعة لخطوته، وأعجبني فيه كذا وكذا.
ومهما تعالت أصوات من حولك باصطياد الزلات، غرد أنت خارج السرب وركز حصرا على هذه الإيجابية؛ لأنها ببساطة.. طوق نجاتك! إنها بوابتك للخروج من زنزانة الحياة المحدودة، ووسيلتك الآمنة لتجرب وتتعلم وتكتسب مهارات جديدة؛ لأنك بذلك تضمن أن عقلك قد أصبح حليفا يقف في صفك ويشجعك، بدلا من أن يكون جلادا ينتظر تعثرك. وفي كل مرة تتعثر فيها، لن يجلدك، بل سيطبطب عليك ويهمس لك بحنان «كمل.. ترى عادي!».
hish_jasser@
















0 تعليق