ليست كل المسيرات الوظيفية قابلةً للاختصار في تاريخ تعيين أو قرار تقاعد. فهناك رجالٌ يعبرون الشركات والمؤسسات كما يعبر العابرون الطريق وهناك رجالٌ تتحول سنواتهم إلى جزءٍ من هوية المكان ويصبح حضورهم فصلًا لا يمكن تجاوزه في سيرة العمل. ومن هذه الفئة النادرة يأتي المهندس سمير رسلان مدير عام الأمن الصناعي السابق في شركة أرامكو السعودية.
والحديث عنه لا يبدأ من الكرسي الذي شغله بل من الطريقة التي فهم بها مسؤوليته. فالأمن الصناعي في منشأةٍ وطنية عملاقة ليس وظيفةً إداريةً تقليدية وإنما منظومةٌ شديدة الحساسية تتصل بحماية الإنسان والمنشأة واستمرارية العمل وتتطلب يقظةً لا تعرف التقاعس وقرارًا موزونًا وقدرةً على استباق الخطر قبل وقوعه.
وفي مثل هذه المواقع لا تُقاس كفاءة القائد بعدد القرارات التي يصدرها بل بقدرته على بناء منظومةٍ تستشعر الخطر قبل أن يقترب وتمنح العاملين الثقة من دون أن تُغفل الانضباط. والقيادة في الأمن الصناعي ليست حضورًا شكليًا بل وعيٌ متصل بالتفاصيل ومسؤوليةٌ لا تسمح بهامشٍ واسع للخطأ.
وقد مثّل المهندس سمير رسلان نموذجًا للقائد الإداري المحنَّك الذي يدرك أن حماية المنشآت تبدأ من حماية الإنسان وأن الإجراءات مهما بلغت دقتها لا تؤتي ثمارها ما لم تتحول إلى ثقافةٍ راسخة في النفوس. ولذلك لم يكن الأمن الصناعي في نظره تعليماتٍ تُقرأ بل سلوكًا يوميًا وضميرًا مهنيًا وانتماءً يتجسد في كل موقف.
حيث يؤمن أن القيادة الحقيقية لا تُمارس من خلف المكاتب بل تُصنع في الميدان حيث يلتقي القرار بالمسؤولية وتصبح القدوة أبلغ من التعليمات. فالقائد الذي يسبق فريقه إلى الواجب يزرع فيهم الانتماء قبل أن يطالبهم بالإنجاز.
ولعل سر بقائه في ذاكرة المكان للحظة أن حضوره لم يكن مرتبطًا بالمنصب وحده بل بما تركه من ثقةٍ في النفوس وانضباطٍ في العمل وإيمانٍ بأن النجاح الحقيقي هو أن تُسلِّم المسؤولية لمن بعدك أكثر رسوخًا مما وجدتها. فالقائد العابر يملأ المقعد أما القائد المؤثر فيملأ الذاكرة.
والرجال لا يخلدهم طول الخدمة وإنما يخلدهم صدق الأثر. وما يبقى بعد الرحيل ليس المسمى الوظيفي بل السيرة التي يرددها الناس باحترام والقيم التي تستمر في الحياة بعد صاحبها والمبادئ التي تتحول إلى نهجٍ تتوارثه الأجيال.
وهكذا يظل اسم المهندس سمير رسلان حاضرًا بوصفه واحدًا من الرجال الذين لم يكتفوا بأداء واجبهم بل أضافوا إلى الواجب معنى وإلى الإدارة قيمة وإلى المكان سيرةً لا تُطوى بانتهاء الخدمة. فمن يغادر المنصب قد يغيب عن المشهد لكن من يصنع الأثر يبقى حاضرًا في ذاكرة المكان وفي وجدان كل من عرفه وعمل معه.
الكاتب / طارق محمود نواب
الأثنين 13 يوليو 2026 م
















0 تعليق