كتب / الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني:
رحمَ اللهُ حمد بن خليفة، الأميرَ الإنسانَ، والقائد الشُّجاع والأب العظيم، الذي أحبَّ قطرَ وأهلَها، فكان النهوض بها حاضرًا ومستقبلًا همّه الأول وغايته الأسمى، فهي اليوم تتبوأ مراتبَ متقدمة في جميع المجالات، ومنها الإعلام.
وشبكةُ الجزيرة الإعلامية أحد المشاريع التي انطلقت في عهدِه، رحمه الله.

ذاتَ يومٍ استدعاني سُموُّه والتقيتُه في بيته، وأبلغني أنَّه ينوي إنشاءَ قناةٍ تلفزيونيةٍ إخباريةٍ سيكونُ اسمُها الجزيرة، وسوف تتمتعُ بهامشٍ واسعٍ من الحُريَّة لتكونَ مُختلفةً عمَّا عرَفه الناسُ، وتعوَّدوا عليه في الساحة العربية من وسائل إعلامية.
بدأنا بإقامة البناء غير بعيدٍ من تلفزيون قطر، ومضينا في تجهيزه بمعدّات البثِّ والاتصال مع الأقمار الصناعية، وجهزنا غرفةَ الأخبار؛ استعدادًا لاستقبال من سيعملون بها.
وكان سُموُّه حريصًا على متابعة العمل في كل المشروعات الكبيرة، يشجعُ ويوجّه، رغم انهماكِه في شؤون الدولة التي لم يمضِ على تسلّمه زمامَ الحكم فيها سوى أشهر قليلة آنذاك.
تشكَّلَ مجلسُ الإدارة وعُيِّنَ المدير العام للقناة، ثم بدأت خطوات استقطاب وتوظيف الكوادر الصحفية والفنية.
توافدَ الصحفيون والعاملون ودبَّت الحياةُ في غرفة الأخبار، وُضع شعار القناة «الرأي والرأي الآخر»، وبدأ البثُّ التجريبي.
في الأوَّل من نوفمبر 1996 كانت النشرة الأولى عند مُنتصف الساعة لتكونَ لنا نافذة خارج النمط العام. وكانت البداية بستّ ساعات من البثّ في اليوم.
وجاءت بوادر النجاح من الأيام الأولى حين بدأ الصحفيون والناس عمومًا يتحدثون عن صوتٍ جديدٍ لم تألفه الساحة العربية من قبلُ. كانَ الجميعُ يشعرون بالسَّعادة لنجاحِ الفكرة بعدما كان الشكُّ يساور الكثيرين.
كانَ حمد بن خليفة يزورُ القناةَ لكنَّه لم يتدخل يومًا في تغطية، أو بَرنامج ما دامَ كلُّ شيءٍ يسيرُ وَفق قواعد المهنة. وهذا ما عزَّزَ انتماء الجميع للمشروع، ورسَّخَ القناعة بأنَّه مشروعُ أُمّة، غايتُه نقلُ الحقيقة من الميدان بالصورة والكلمة، مهما كانت المصاعب والتّضحيات.
لم يكن من المُستبعد لدى سُموِّه أن تواجه القناةُ بأدائها القوي في ميدان الأخبار والبرامج الحوارية، وبسياستها التحريرية المهنية المستقلة، معارضةً وضغوطًا من المُحيطين العربي والدولي على حدٍّ سواء، غيرَ أنَّ الشَّيخ حمد بن خليفة لم يستجب لذلك؛ انطلاقًا من إيمانه بأهمية الإعلام المستقل والحُر، فكان ذلك بمثابة مظلّة حماية للقناة والعاملين فيها عزَّزت لديهم رُوحَ الانتماء، وزادتهم إيمانًا برسالتِهم، واستعدادًا لمُواصلة العطاء.
وصدقت كذلك رؤيتُه، رحمه الله، لمُستقبل الجزيرة. ولم يثنِها ما تعرضتْ له طيلةَ السنوات من استهدافات مؤلمة عن مواصلة حمْلِ رسالتِها المستقلة، فأثرُها ما زال يتزايدُ يومًا بعد يوم في مُحيطِ إقليمِها وخارجه. تُغيّرُ المفاهيم وتوسع الثقافة والوعي، وتُغيّر المعادلات الإعلامية في العالم شمالًا وجنوبًا، حتى غدَت الشبكةُ تحتلُّ اليوم موقعًا متقدمًا في صدارة المشهد الإعلامي التقليدي، والمشهد الرقْمي على حدٍّ سواء.
لقد كان للجزيرة من بين كل المشاريع التي أقامها سُموُّه موقعٌ خاصٌّ، ففي آخرِ لقاءِ لي معه، رحمه الله، لم تمنعْه حالته الصحيَّة من السؤال عن الجزيرة والاطمئنانِ على أحوالها ومُستقبلها، كما كانَ يفعلُ مع العاملين في بقيَّة المشاريع في الدولة.
خلفَ تميم بن حمد والدَه أميرًا، وقد واجه هو كذلك، في فترةٍ من أصعب الفترات في تاريخ قطر، ضغوطًا سعت إلى تغيير نهج الشبكة، لكنه لم يقبل بأي تدخل في سياساتها التحريرية، أيًا كان مصدره. كما أنَّه لا يتدخل شخصيًا في أدائها، ما دامت ملتزمةً بقواعدِ المهنة وأخلاقياتها.
هذه هي قصّة بداية الجزيرة مع صاحبِ فكرة إنشائها حمد بن خليفة حتى لقيَ وجهَ ربِّه.
لكنَّ هذا المقال لا يروي سيرةَ الجزيرة كاملةً، بل يقدمُ فصلًا من فصول حكايتها؛ قصة ستظلّ تُقرأ وتُحتذى، ويَستشهد بها الناس مثالًا على مشروعٍ ناجحٍ أحدث أثرًا عميقًا سيمتدُّ عبر الأجيال، رغم ما واجهه من مصاعبَ وتحدياتٍ.
وقبل ذلك كله فإنَّ هذه الكلمات، وأكثر منها بكثير، لن توفي حمد بن خليفة حقَّه مقابل ما قدّمه لوطنِه وأهله وأسرته القطرية الكبيرة، التي كرَّسَ حياتَه كلَّها لخدمتِها وبناء مشاريع نهضتها في كلِّ المجالات، ومنها مشروعُ الجزيرة، الذي يُنْظَر إليه على أنه تجرِبةُ نجاح يتحدثُ عنها العالمُ بأَسْره، ويوصفُ بأنَّه نموذجٌ إعلاميٌّ استثنائي.
رحمَ اللهُ حمد بن خليفة، الأميرَ الوالدَ الإنسانَ والأبَ والقائدَ، وأسكنَه فسيحَ جنانِه، وجزاه الله عنَّا جميعًا خيرَ الجزاء، وحفظ اللهُ الأميرَ والقائدَ الحكيمَ الشَّيخَ تميم بن حمد، وحفظَ قطرَ وأهلَها.













0 تعليق