الدوحة - قنا :
يحتفي العالم غدا الثلاثاء باليوم العالمي للإبداع والابتكار، حيث حددت منظمة الأمم المتحدة الحادي والعشرين من شهر أبريل من كل عام يوما عالميا، لإلقاء الضوء على استخدام التفكير المبدع والتكنولوجيا نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وبهذه المناسبة، أكد الدكتور بدر بن دلهم الهاجري، رئيس الاتحاد العربي للذكاء الاصطناعي والبرمجة، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن العالم العربي يعيش اليوم مرحلة انتقالية دقيقة بين امتلاك أدوات العصر وبين القدرة على توظيفها لإنتاج قيمة حقيقية، ولذلك هناك تطور ملحوظ في البنية الرقمية والاستثمارات المرتبطة بالابتكار، غير أن الفجوة لا تزال قائمة في جانب إنتاج المعرفة وتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتنافس عالميا.
وقال إن دولة قطر تقدم نموذجا متقدما، حيث انتقلت من مرحلة التبني إلى مرحلة المبادرة، وأصبحت تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للابتكار، ليس فقط من خلال الاستثمار في التكنولوجيا، بل عبر بناء منظومة متكاملة تربط التعليم بالبحث العلمي بالصناعة، وهو ما نعمل عليه حاليا بكل جهودنا في الاتحاد العربي للذكاء الاصطناعي والبرمجة.
وعن رؤيته لدور البنية التحتية الثقافية والإبداعية في دولة قطر، في هذا الاتجاه، أكد أن الدولة تمتلك بنية تحتية متقدمة على مستوى المنطقة، سواء من حيث المؤسسات الثقافية أو المبادرات الداعمة للابتكار، وهناك استثمار واضح في التعليم والبحث، إلى جانب بيئة تنظيمية تشجع على التجريب والإبداع، وهي جهود كبيرة للغاية لا يمكن إغفالها، مشددا على ضرورة التكامل بين هذه العناصر، بحيث تتحول البنية التحتية إلى منظومة إنتاج حقيقية قادرة على توليد مشاريع إبداعية قائمة على التكنولوجيا، وقابلة للتصدير إقليميا ودوليا، "وهو ما نتطلع إليه ونستبشر خيرا بحدوثه في القريب".
وحول الدور الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في حماية التنوع الثقافي العربي، أوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى أداة محورية في صون التراث الثقافي العربي، من خلال رقمنة المحتوى، وتحليل البيانات الثقافية، وإعادة تقديمها بأساليب تتناسب مع الأجيال الجديدة، كما يمكنه دعم اللغات العربية بمختلف تنوعاتها، وإتاحة الوصول إلى المحتوى الثقافي بشكل أوسع وأكثر تفاعلية، غير أن هذا الدور يتطلب وجود سياسات واضحة تضمن استخدام التكنولوجيا في اتجاه الحماية والتعزيز.
وفيما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعيد تعريف مفهوم الإبداع ذاته، خاصة في مجالات الفنون والصناعات الثقافية، أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يعيد تعريف الإبداع بقدر ما يوسع حدوده ويغير أدواته، "ونحن أمام تحول نوعي من الإبداع الفردي القائم على الموهبة إلى إبداع تشاركي يجمع بين الحس الإنساني والقدرات الحسابية الهائلة للآلة، وفي الفنون والصناعات الثقافية، أصبح بالإمكان إنتاج أعمال أكثر تنوعا وتعقيدا".
وقال إن العنصر البشري يظل هو الذي يمنح العمل معناه وقيمته، ولذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يحرر المبدع من القيود التقنية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية أو العمق الشعوري.
وعن العلاقة بين الاقتصاد الإبداعي والتقنيات الذكية، وصفها بأنها علاقة تكامل استراتيجي، حيث تمثل التكنولوجيا أداة لزيادة الكفاءة وتوسيع الأسواق، بينما يوفر المحتوى الإبداعي القيمة المضافة، "ففي المنطقة العربية، لدينا ثروة ثقافية وإنسانية هائلة يمكن تحويلها إلى منتجات اقتصادية ذات بعد عالمي، إذا ما تم توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الإنتاج الرقمي، والتسويق، وتحليل سلوك الجمهور".
وقال" إن التحدي في هذا السياق يكمن في بناء منظومات عمل مرنة تستوعب هذا التكامل وتستثمر فيه بشكل مستدام، بل وتحقق فائدة اقتصادية قادرة على المنافسة وفرض نفسها في الأوساط العالمية، وهو ما يمكن أن يتحقق مستقبلا بفضل الجهود العربية المبذولة حاليا للتواجد ضمن هذا المسار".
وعن إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم المبدعين الشباب في العالم العربي، أكد الدكتور بدر بن دلهم الهاجري، رئيس الاتحاد العربي للذكاء الاصطناعي والبرمجة، في تصريحاته لـ/قنا/، أن الذكاء الاصطناعي يلعب دورا بارزا في تمكين المبدعين الشباب، بتوفير أدوات إنتاج منخفضة التكلفة، ومنصات ذكية تساعدهم على الوصول إلى جمهور أوسع، وتتيح تقنيات التحليل فهم توجهات السوق واحتياجات الجمهور بشكل أدق، مما يعزز فرص النجاح والاستمرارية، كما أنه يمكن أن يسهم ذلك في تقليل الفجوة بين الموهبة والفرصة، وهي من أبرز التحديات التي تواجه الشباب في المنطقة.
وحول السياسات الضرورية لدمج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الإبداعي دون الإضرار بطبيعته الإنسانية، شدد على أهمية الحاجة إلى إطار تشريعي وأخلاقي متوازن، يضمن حماية حقوق المبدعين، ويعزز الشفافية في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن الاستثمار في التعليم والتدريب لبناء جيل واعٍ بأبعاد هذه التكنولوجيا، وقادر على توظيفها بشكل مسؤول.
وقال إن الحفاظ على الطابع الإنساني للإبداع لا يعني رفض التكنولوجيا، بل توجيهها بما يخدم القيم الثقافية والاجتماعية، كما لا يمكن افتراض أن التقنيات الحديثة التي أصبحت ضرورة ملحة في العصر الحالي ستأتي على حساب الإنسان، بل لن تكون إلا بوجود الإنسان نفسه الذي يقودها ويوجهها.
وفيما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل الهوية الثقافية العربية، أوضح أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في أدوات التعبير عن الهوية، لكنه لا يمتلك القدرة على صياغتها من الأساس، "فالهوية الثقافية تتشكل عبر التاريخ والتجربة المجتمعية، وليس عبر الخوارزميات، والتحدي الحقيقي يكمن في استخدام هذه التكنولوجيا لتعزيز حضور الهوية العربية في الفضاء الرقمي، بدلا من تركها عُرضة للذوبان في نماذج ثقافية عالمية مهيمنة".
وعن كيفية استفادة المؤسسات الثقافية من الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، أكد أنه يمكن لهذه المؤسسات توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير التعليم الثقافي، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة، ودعم المبادرات التي تستهدف تمكين المرأة والشباب، كما يمكن استخدامه في تحليل الأثر الثقافي والاجتماعي للمشروعات، بما يساعد على تحسين كفاءتها واستدامتها، وأن كل ذلك يجعل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز العدالة الثقافية وتكافؤ الفرص.
من جهة أخرى، شدد على أهمية الحاجة إلى نموذج شراكة تكاملية، تتوزع فيها الأدوار بين الإنسان والآلة بشكل يعزز قدرات الطرفين، "فالإنسان سيظل صاحب الرؤية والخيال، بينما تتولى الآلة مهام التنفيذ والتحليل والتوسع"، لافتا إلى أن هذه العلاقة لن تكون قائمة على الإحلال بقدر ما هي قائمة على التعاضد، وهو ما قد يفتح آفاقا جديدة للإبداع لم تكن ممكنة في السابق.
يُشار إلى أن اليوم العالمي للإبداع والابتكار، يتم الاحتفال به في الحادي والعشرين من شهر أبريل من كل عام، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الصادر في 27 أبريل عام 2017، ليسهم في تحويل الفكرة إلى واقع، وإيجاد الحلول للتحديات التي تواجه المجتمعات في مختلف أنحاء العالم، ويعد مناسبة للاحتفاء بالأفكار الجديدة والمبتكرة التي تعزز التطور الاجتماعي والاقتصادي والبيئي نحو بناء مستقبل مستدام ومزدهر للبشرية.
كما يعد اليوم العالمي للإبداع والابتكار دعوة للتفكير خارج الصندوق، وتجاوز الحدود المعتادة، حيث يشجع على تبني المخاطرة المحسوسة واستكشاف الفرص الجديدة، ويتيحها للجميع بما في ذلك النساء والشباب، كما يساعد في إيجاد الحلول للأزمات والمشاكل المهمة مثل القضاء على الفقر والجوع.
جدير بالذكر أن الاتحاد العربي للذكاء الاصطناعي والبرمجة يتبع مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في جامعة الدول العربية، ويهدف إلى تعزيز التعاون العربي في مجالات الذكاء الاصطناعي والبرمجة، ودعم جهود التحوّل الرقمي والتنمية المستدامة في المنطقة.



0 تعليق