الدوحة – هيثم الأشقر:
صَدَرَ عن مؤسسة دار الفيصل للنشر بالتعاون مع مؤسسة الفيصل العالمية للثقافة والمعرفة الإصدار الثاني من كتاب «مؤرخ بلا قلم.. وثائق تاريخية وأسرار مخفية» لمؤلفه سعادة الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني، في عمل يقدّم مقاربة غير تقليدية لفكرة التاريخ، ويبتعد عن سرد الوقائع بوصفها أحداثًا ثابتة، نحو قراءة أكثر عمقًا تقوم على تفكيك الوثيقة، وتأمل ما بين سطورها من دلالات وإشارات خفية.
ويشير المؤلف في مقدمة الكتاب إلى أن التاريخ لا يُختزل دائمًا فيما كُتب، بل يمتد إلى ما لم يُكتب أو ما فُقد أو ما ظلَّ محجوبًا خلف طبقات من التأويل، وأن قراءة الوثيقة ليست عملية تلقٍ مباشر، بل فعل تأويل مستمر، يتطلب حسًّا نقديًا وقدرة على استنطاق الصمت بقدر ما يُقرأ المكتوب. مؤكدًا أن شغفه تعمّق بالسجاد مع مرور السنوات، ولا سيما السجاد التراثي الذي لا يكتفي بوظيفته الجمالية، بل يتحول إلى سجلٍّ بصري يلتقط لحظات حاسمة من تاريخ البشر، ويعيد نسجها عبر زخارف دقيقة وصور رمزية نابضة بالحياة. ففي خيوطه تتوارى حكايات ملوك وسلاطين، وشخصيات وأحداث، وشعراء وحضارات اندثرت أو تغيّرت ملامحها عبر الزمن، ليغدو كلّ بساط بمثابة رواية صامتة تختزن ذاكرة أمم وتجارب إنسانية عابرة للقرون
ويمتد الكتاب عبر 494 صفحة موزعة على 11 فصلًا باللغتين العربية والإنجليزية، تتنوع بين السرد الشخصي، والرحلة المعرفية، والتأملات المرتبطة بعالم الاقتناء والسفر، وصولًا إلى قصص تحمل أبعادًا اجتماعية وسياسية وثقافية، يظهر فيها السجاد كخيط رابط بين الجغرافيا والتاريخ والإنسان.
ومن خلال هذا البناء، يتحول الكتاب إلى مساحة عبور بين الأزمنة، حيث لا يعود الماضي مجرد مادة للعرض، بل حقل مفتوح لإعادة التفسير، ويغدو القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، لا متلقيًا له فقط، في تجربة تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والتاريخ بوصفها علاقة بحث مستمرة لا تنتهي عند حدود النص.
الكتاب لا يتعامل مع التاريخ بوصفه تسلسلًا زمنيًا للأحداث، بل كنسيج معقد تتداخل فيه الذاكرة مع الدليل، والحكاية مع التأويل. ومن هذا المنظور، يتحول النص إلى مساحة بحث مفتوحة، تُستدعى فيها الوثيقة ليس باعتبارها شاهدًا صامتًا، بل ككائن حيّ يحمل طبقات من المعنى، ويستدرج القارئ إلى إعادة التفكير في المسلمات التاريخية التي تبدو مستقرة في ظاهرها.
ويعتمد العمل على منهج استقصائي يمزج بين التوثيق والسرد التأملي، حيث لا يقف المؤلف عند حدود نقل المادة التاريخية، بل يعيد تشكيلها داخل بنية سردية تتقاطع فيها المعرفة مع الحدس، ويصبح فيها الهامش أكثر حضورًا من المتن أحيانًا، في محاولة لإبراز التفاصيل التي غالبًا ما تتوارى خلف السرديات الكبرى.
وفي قلب هذا المشروع، يقدّم المؤلف تجربة فريدة في توظيف المقتنيات التراثية، ولا سيما السجاد النادر، بوصفه أرشيفًا بصريًا موازيًا للوثيقة المكتوبة. فقد جرى توثيق أكثر من 350 قطعة من مجموعته الخاصة التي تتجاوز 2000 سجادة، والمعروضة في متحفي السجاد بفندق ماريوت ماركيز الدوحة ومنطقة السامرية، لتتحول هذه القطع إلى شواهد مادية على تحولات اجتماعية وحضارية امتدت عبر قرون.
جدير بالذكر أن المؤلف لا يُقدّم الكتاب عن السجاد هنا كعنصر جمالي أو تراثي فحسب، بل كوسيط معرفي يحمل ذاكرة الشعوب في نقوشه وخيوطه، ويعيد سرد التاريخ من زاوية مختلفة، حيث تتقاطع الحرفة مع السياسة، والرمز مع الحدث، والذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية.



0 تعليق