أكرم أبوالهنود
قبل أربعة عشر عامًا، تلقت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” هدية غير اعتيادية من إحدى أكثر المؤسسات سرية. كان ذلك ابتكارًا متمثلًا في نظامي استكشاف بصري فضائي غير مستخدمين، يحويان مرآة قطرها 2.4 متر، مماثلة لتلسكوب “هابل”.
في عام 2012، انتقلت هذه التكنولوجيا إلى “ناسا”، لتحول استخدامها إلى أعماق الكون بدلاً من الاستطلاع. فالتلسكوب “نانسي غريس رومان” انطلق في مهمة تتجاوز 4.3 مليار دولار، بهدف فهم تسارع تمدد الكون ومعرفة المادة غير المرئية وتأثيرها.
التلسكوب “رومان” يقارن بـ “هابل” في الحجم، لكنه مصمم لمهام مختلفة؛ حيث يتميز مجال رؤيته بأنه أوسع بـ 100 مرة. وبفضل قدرته على المسح السريع، يمكن أن يكمل مساحات شاسعة خلال زمن أقل بكثير مقارنةً بـ “هابل”.
تقول “ناسا” إن “رومان” يستطيع إنجاز مسح يحتاج “هابل” إلى قرنٍ لكي يقوم به. وهذه القدرة ضرورية لمشاهدة حركة المجرات عبر الزمن، مما يتيح فهم تطور الكون بشكل فعّال.
وفقًا للنموذج الكوني الحالي، تشكل المادة العادية 5% فقط من الكون. بينما تقدر “ناسا” أن 27% منه يتكون من “المادة المظلمة” و68% من “الطاقة المظلمة”، مما يعكس عدم فهمنا الكامل للكون.
اكتشف العلماء في التسعينيات أن الكون يتمدد بسرعة متزايدة، وهذا الأمر لا يزال يحيرهم. “رومان” سيحاول قياس المجرات لفهم طبيعة هذا التسارع وأثر الجاذبية على المقاييس الكونية.
عملاً على هذا الهدف، سيوظف “رومان” تقنيات مبتكرة لتحليل الضوء، مما يساعد في تتبع المادة المظلمة من خلال قياس انحناء الضوء الناتج عن جاذبية الأجرام البعيدة. هذه الطريقة ستدعم فهم العلماء لتوزيع المادة غير المرئية.
نطاق البحث لا يقتصر على المجرات فحسب، بل سيتضمن أيضًا اكتشاف كواكب خارج نظامنا الشمسي. تشير تقديرات “ناسا” إلى أن عمليات الرصد قد تسفر عن اكتشاف 100 ألف كوكب خارجي.
سيستخدم “رومان” تقنيات مثل “العدسات الجاذبية الدقيقة” لتحديد وجود الكواكب. كما يحمل جهازًا تجريبيًا يُعرف بـ “كوروناغراف”، الذي يتيح رؤية الأجرام الخافتة القريبة من النجوم الساطعة.
ستنتج قدرة “رومان” على المسح الواسع كميات ضخمة من البيانات تصل إلى 1.4 تيرابايت يوميًا. هذه المعلومات ستعتمد على أنظمة حوسبة متقدمة وتقنيات تعلم آلي لتحديد الكواكب والمجرات وقد تفتح مجالات جديدة الاكتشافات العلمية.
التلسكوب سيتجه نحو نقطة لاغرانج الثانية، بعيدًا عن الأرض بمسافة 1.5 مليون كيلومتر، حيث يتمتع بمدار مستقر. بينما “جيمس ويب” يعمل بالقرب منه، إلا أن مهام كل منهما مختلفة جدًا؛ حيث يتمركز “رومان” على المسح الواسع.
صُممت مهمة “رومان” لتستمر لخمس سنوات، مع إمكانية تمديد. هذه التكنولوجيا، التي أُعيد تصميمها، تهدف إلى استكشاف أسرار الكون المجهولة، والبحث عن عوالم جديدة بعيدة عن نظامنا الشمسي.
إذا أثبتت قياسات “رومان” اختلافًا كبيرًا عن النماذج الحالية، فإن أهم ما ستقدمه هو دفع العلماء لإعادة النظر في تصوراتهم وفهمهم الجوهري للكون.




