في كرة القدم، لا تُقاس قيمة المدربين بعدد المباريات التي خاضوها، ولا بعدد المؤتمرات الصحفية التي عقدوها، بل بما يتركونه خلفهم من أثرٍ حين يرحلون. فالأسماء كثيرة، والوجوه تتبدل، والمقاعد الفنية لا تعرف الثبات طويلًا، لكن القليل فقط من الرجال ينجحون في أن يتحولوا من مجرد مدربين إلى فصولٍ مكتملة في ذاكرة الأندية.
وحديثي هنا عن المدرب البرتغالي جورجي جيسوس والذي خرج من المشهد النصراوي. فجيسوس لم يأتِ إلى النصر في وقت سهل، ولم يستلم فريقًا يعيش حالة استقرارٍ كاملة، بل جاء وسط ضغوطٍ هائلة، وتوقعاتٍ ضخمة، وجماهير أنهكتها سنوات الانتظار، وأحلام مؤجلة كانت تبحث عمّن يعيد إليها الإيمان بأن الشمس ما زالت قادرةً على الشروق من جديد.
فجاء متحديًا، متحديًا الشكوك، ومتحديًا المقارنات، ومتحديًا ذاكرة المواسم التي كانت تنتهي غالبًا بالحسرة أكثر مما تنتهي بالفرح. وكان يعلم أن الجلوس على مقاعد النصر لا يشبه أي مهمةٍ أخرى، فهنا لا يكفي أن تقدم كرة قدم جميلة، ولا يكفي أن تحقق نتائج جيدة، بل المطلوب دائمًا هو البطولات. فهذا نادٍ لا تكتفي جماهيره بالمنافسة، لأنها اعتادت أن ترى فريقها مشروع بطلٍ دائم، لا مجرد مشاركٍ في سباق طويل.
وحين بدأ الموسم، كانت الأنظار كلها تراقب الرجل. البعض ينتظر نجاحه، والبعض ينتظر تعثره، وآخرون يراقبون المشهد بحذرٍ وترقب. أما هو، فكان يعمل بصمت، ويبني فريقًا يعرف كيف ينتصر، ويصنع شخصيةً لا تنكسر عند أول عثرة، ويعيد للنصر شيئًا افتقده طويلًا وهوهيبة البطل.
ومع مرور المباريات بدأت ملامح المشروع تتضح. فلم يعد النصر ذلك الفريق الذي يعيش على ردات الفعل، بل أصبح فريقًا يفرض إيقاعه على المباريات، ويملك شخصيته الخاصة، ويعرف ماذا يريد داخل الملعب. ومع كل انتصار كانت الثقة تكبر، ومع كل خطوةٍ نحو القمة كانت الجماهير تستعيد شيئًا من أحلامها القديمة.
حتى جاءت اللحظة التي انتظرها النصراويون طويلًا، لحظة التتويج، ولحظة عودة الدوري إلى خزائن العالمي، ولحظة كسر سنوات الانتظار. هناك تحديدًا اكتملت الحكاية. ليس لأن بطولة الدوري مجرد لقبٍ يُضاف إلى سجل النادي، بل لأنها كانت إعلانًا واضحًا بأن النصر عاد إلى مكانه الطبيعي بين الكبار.
وهنا تكمن قيمة جيسوس الحقيقية. فهو لم يحقق بطولةً فحسب، بل أعاد صياغة الحالة النفسية للنادي بأكمله، وأعاد الثقة إلى المدرجات، وأعاد الإيمان إلى الجماهير، وأعاد للفريق شعورًا افتقده طويلًا شعور البطل.
ولهذا يبدو رحيله مختلفًا عن كثيرٍ من حالات الرحيل التي عرفتها كرة القدم. فهو لا يغادر بعد إخفاق، ولا يرحل تحت ضغط النتائج، ولا يخرج من الباب الخلفي كما يحدث لكثيرٍ من المدربين، بل يغادر واقفًا على منصة المجد، بعدما أنجز المهمة، وكتب اسمه في سجلٍ لن تمحوه السنوات بسهولة.
لكن كرة القدم بطبيعتها لا تتوقف عند أحد، فالأندية الكبيرة أكبر من الأشخاص، والكيانات العظيمة تستمر مهما تبدلت الأسماء. ولهذا فإن السؤال الذي يواجه النصراويين اليوم ليس من رحل، بل ماذا بعد الرحيل؟ وهل يستطيع النصر أن يحافظ على ما بناه جيسوس؟ وهل ينجح القادم في تطوير الفريق بدل البدء من الصفر؟ وهل تستمر شخصية البطل التي تشكلت هذا الموسم؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي ستجيب عنها الأيام المقبلة. أما جيسوس، فقد انتهى دوره في الرواية، وأدى الفصل الذي كُتب له كاملًا، وسيظل اسمه حاضرًا كلما ذُكرت العودة الكبرى، وكلما استعاد النصراويون تفاصيل الموسم الذي عاد فيه الدوري إلى بيته، وكلما تحدثت الجماهير عن رجلٍ جاء وسط الضجيج، وعمل وسط الضغوط، وانتصر وسط التحديات.
ولهذا سيبقى المشهد محفوظًا في الذاكرة النصراوية طويلًا، فجيسوس جاء متحديًا وغادر بطلًا.
الكاتب / طارق محمود نواب
الجمعة 29 مايو 2026 م
للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا )















0 تعليق