
لم تعد المشكلة في كثرة استخدام الأجهزة الذكية بحد ذاتها، بل في الطريقة التي صُممت بها المنصات الرقمية لتحتجز انتباه المستخدم أطول وقت ممكن. فخوارزميات هذه المنصات لا تدفعنا فقط إلى متابعة المحتوى، بل تجعلنا في حالة استهلاك متواصل لتدفق معلوماتي لا ينتهي؛ أخبار، مقاطع قصيرة، آراء، تعليقات، واتجاهات متجددة تظهر بلا توقف.
ومع الوقت، يجد الفرد نفسه يقضي ساعات طويلة في التصفح دون أن ينتج فكرة واحدة، حتى وإن كانت بسيطة. يصبح العقل منشغلًا بالاستقبال المستمر إلى درجة يتراجع معها التأمل، ويضعف توليد الأفكار، وكأن المنصات بدأت تفكر بالنيابة عنه، وتقترح عليه ما يشاهده، وما يهتم به، بل أحيانًا كيف يفهم العالم من حوله.
وهكذا يتحول الإنسان تدريجيًا إلى مستهلك دائم للمحتوى، يعيش حالة من التشتت الذهني، واسع الاطلاع ظاهريًا لكنه محدود العمق، يمر على كمّ هائل من المعلومات دون أن يجد الوقت الكافي للتفكير فيها أو إعادة إنتاجها في صورة فكرة، أو معرفة، أو إبداع.
إن الاستمرار في هذا النمط المصنوع بفعل الخوارزميات قد يقود إلى مجتمع سريع الرأي قليل التأمل، كثير التعليق محدود الإنتاج المعرفي العميق؛ مجتمع تنتقل فيه الثقافة من “القراءة والفهم” إلى “التصفح والتفاعل”، ومن بناء الأفكار إلى استهلاكها بصورة متسارعة.
الكاتب /ناصر بن شنان
الجمعة 29 مايو 2026 م













0 تعليق