أعد المتخصص في شؤون المالية العامة، بدر مشاري الحماد، دراسة علمية محكمة حول الرقابة المالية، ورقابة شؤون التوظف في الجهات ذات الميزانيات المستقلة في الكويت، ناقش فيها سبل تطوير منظومة الرقابة المالية والإدارية، بما يحقق المزيد من التكامل والتنسيق في ممارسة اختصاصاتها. وقد نشرت الدراسة في مجلة البحوث والدراسات العربية، العدد 84، يونيو 2026، وتعيد «الجريدة» نشر ملخص لها لما تتضمنه من تشخيص وخلاصات تستحق الاهتمام... وفيما يلي ملخصها:
عندما يُثار الحديث عن حماية المال العام، ينصرف الاهتمام غالباً إلى الرقابة على العقود والمناقصات والمصروفات العامة، باعتبارها أكثر المجالات ارتباطا بالإنفاق الحكومي. غير أن الواقع العملي يكشف عن جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في القرارات الإدارية التي يترتب عليها التزام مالي، وفي مقدمتها القرارات المتعلقة بشؤون التوظف.
فقرار تعيين موظف، أو ترقيته، أو منحه بدلا، أو ميزة مالية، لا يقتصر أثره على تعديل مركزه الوظيفي، بل ينشئ التزاما ماليا قد يستمر طوال مدة خدمته، وقد تمتد آثاره إلى ما بعدها. ومن هنا فإن حماية المال العام لا تقتصر على الرقابة على الصرف، إنما تبدأ منذ لحظة اتخاذ القرار الذي ينشئ هذا الالتزام.
هذه الحقيقة تمثل نقطة الانطلاق في الدراسة العلمية المحكّمة التي تناولت الرقابة المالية ورقابة شؤون التوظف في الجهات ذات الميزانيات المستقلة، والتي سعت إلى تحليل العلاقة بين هذين النوعين من الرقابة، والوقوف على مدى تكاملهما في حماية المال العام، في ضوء التشريع الكويتي والتطبيق العملي.
التعيين والترقية والعلاوات والبدلات والمزايا تنشئ التزامات تجعلها مرتبطة مباشرة بالمال العام
لماذا اكتسبت هذه القضية أهميتها؟
شهد الجهاز الإداري للدولة خلال العقود الأخيرة توسعًا ملحوظا في إنشاء الهيئات والمؤسسات ذات الميزانيات المستقلة، ومنحها قدرًا من الاستقلال المالي والإداري ينسجم مع طبيعة اختصاصاتها. وأصبحت هذه الجهات تدير جانبا مهما من الإنفاق العام، بما في ذلك الإنفاق على الموارد البشرية وما يرتبط به من رواتب، وبدلات ومزايا وظيفية.
ورغم أن هذه الجهات تخضع لمنظومة متكاملة من الرقابة المالية، فإن الدراسة تطرح تساؤلًا مهمًا: هل تخضع القرارات الوظيفية ذات الأثر المالي فيها للرقابة المؤسسية بالدرجة نفسها؟
ولا ينطلق هذا التساؤل من التشكيك في أداء الأجهزة الرقابية، بل من ملاحظة تشريعية مؤداها أن التطور الذي شهدته الرقابة المالية لم يصاحبه تطور مماثل في تنظيم الرقابة على شؤون التوظف داخل المؤسسات ذات الميزانيات المستقلة، على الرغم من أن القرارات الوظيفية أصبحت من أكثر القرارات تأثيرًا في حجم الإنفاق العام.
الفصل التقليدي بين الرقابتين المالية والإدارية لم يعد كافياً لمواكبة تطورات الإدارة العامة
منظومة رقابية راسخة
يكشف التحليل الذي أجرته الدراسة أن التشريع الكويتي أرسى منظومة متقدمة للرقابة المالية تقوم على توزيع واضح للاختصاصات بين عدد من الأجهزة، بحيث يمارس كل منها دورًا محددًا في إطار متكامل لحماية المال العام، فديوان المحاسبة يتولى الرقابة اللاحقة على التصرفات المالية، بينما تضطلع وزارة المالية بوضع القواعد والنظم المنظمة للإدارة المالية، في حين يمارس جهاز المراقبين الماليين رقابة مالية مسبقة تستهدف منع المخالفات قبل وقوعها، والتأكد من سلامة الارتباطات المالية قبل ترتيب أي التزام على الجهات الخاضعة لرقابته، بما في ذلك الجهات ذات الميزانيات المستقلة.
وترى الدراسة أن هذا التنظيم يعكس نضجًا تشريعيًا في بناء منظومة الرقابة المالية، ويواكب الاتجاهات الحديثة التي تقوم على التكامل بين الرقابة الوقائية والرقابة اللاحقة، بما يعزز سلامة إدارة المال العام.
«المراقبين الماليين» سجّل خلال عام 467 مخالفة على جهات الميزانيات المستقلة مقابل 8 فقط سجلها «المحاسبة»
أين تكمن الإشكالية؟
لا تذهب الدراسة إلى القول بوجود غياب للرقابة على الجهات ذات الميزانيات المستقلة، كما لا تعتبر أن هناك قصورًا في أداء الأجهزة الرقابية. بل تشير إلى أن الإشكالية تكمن في عدم اكتمال التكامل بين الرقابة المالية ورقابة شؤون التوظف عند التعامل مع القرارات الوظيفية ذات الأثر المالي.
ففي الوقت الذي تمتد فيه الرقابة المالية إلى جميع الجهات ذات الميزانيات المستقلة، فإن رقابة شؤون التوظف لا تمتد إليها بالوضوح نفسه، إذ يقتصر التنظيم الحالي على الوزارات والإدارات الحكومية والجهات ذات الميزانيات الملحقة، بينما تتمتع المؤسسات ذات الميزانيات المستقلة بتنظيم مختلف لشؤونها الوظيفية.
وتوضح الدراسة أن هذا الوضع قد يؤدي إلى معالجة القرار الوظيفي من زاوية أثره المالي فقط، أو من زاوية مشروعيته الوظيفية فقط، بحسب اختصاص الجهة الرقابية، في حين أن طبيعة هذه القرارات تقتضي النظر إليها باعتبارها قرارات إدارية ومالية في آنٍ واحد.
عندما تتداخل الإدارة مع المالية
من أبرز الأفكار التي تقدمها الدراسة أن القرارات المتعلقة بشؤون التوظف لم تعد قرارات إدارية بحتة، بل أصبحت تمثل أحد أهم مصادر الالتزامات المالية في الجهات العامة، فالتعيين، والترقية، والعلاوات، والبدلات، والمزايا الوظيفية، جميعها قرارات تنشئ التزامات مالية تمتد آثارها لسنوات، وهو ما يجعلها مرتبطة بصورة مباشرة بالمال العام.
ومن هذا المنطلق، ترى الدراسة أن الفصل التقليدي بين الرقابة المالية والرقابة الإدارية لم يعد كافياً لمواكبة التطورات التي شهدتها الإدارة العامة، وأن الحاجة أصبحت قائمة إلى تعزيز التكامل بين الأجهزة الرقابية، بما يضمن التعامل مع هذه القرارات بصورة شاملة تراعي جميع أبعادها، دون الإخلال باختصاص أي جهة أو الانتقاص من استقلال المؤسسات ذات الميزانيات المستقلة.
الطبيعة المركبة للقرارات الوظيفية تستدعي وجود منظومة رقابية تتكامل فيها الاختصاصات
ماذا تكشف القراءة المتأنية للتشريع؟
تكشف الدراسة أن التشريعات الكويتية أولت اهتمامًا بالغًا بحماية المال العام، فوزعت الاختصاصات الرقابية بين عدد من الجهات، بما يحقق التوازن بين الرقابة الوقائية والرقابة اللاحقة، ويمنع تركز السلطة الرقابية في جهة واحدة. وقد أسهم هذا النهج في بناء منظومة رقابية متماسكة حظيت بتقدير العديد من الدراسات المتخصصة في مجال الإدارة المالية العامة.
إلا أن الدراسة تلفت الانتباه إلى أن تطور الإدارة العامة خلال العقود الأخيرة، وما صاحبه من توسع في إنشاء المؤسسات ذات الميزانيات المستقلة، أوجد واقعًا مؤسسيًا جديدًا لم يكن حاضرًا بالصورة نفسها عند وضع بعض التشريعات المنظمة للرقابة. فهذه المؤسسات تتمتع باستقلال إداري ومالي، وتدير ميزانيات كبيرة، وتصدر بصورة يومية قرارات تتعلق بالتوظيف والرواتب والبدلات والمزايا، وهي قرارات تترتب عليها التزامات مالية لا تقل أهمية عن الالتزامات الناشئة عن العقود أو المشتريات الحكومية.
ومن هنا، ترى الدراسة أن التطور المؤسسي الذي شهدته الدولة يستدعي تطويرًا موازيًا في أدوات الرقابة، بما يضمن مواكبة الواقع الإداري والمالي، ويعزز التكامل بين الجهات الرقابية عند التعامل مع القرارات التي تمتزج فيها الجوانب الإدارية والمالية.
الواقع العملي... ماذا تقول الأرقام؟
لم تقتصر الدراسة على تحليل النصوص القانونية، بل سعت إلى اختبارها في ضوء الواقع العملي، من خلال مراجعة تقارير الجهات الرقابية وما تضمنته من مؤشرات تعكس طبيعة الممارسة الفعلية للرقابة في المؤسسات ذات الميزانيات المستقلة.
وتبرز الدراسة أن جهاز المراقبين الماليين سجّل خلال السنة المالية 2023/2024 عددا كبيرا من الملاحظات والمخالفات في الجهات ذات الميزانيات المستقلة بلغ 467 مخالفة، في حين سجل ديوان المحاسبة خلال الفترة نفسها 8 مخالفات فقط في هذا المجال.
ولا تقدم الدراسة هذه الأرقام للمفاضلة بين الجهازين، إذ تؤكد أن لكل منهما طبيعة رقابية مختلفة، فجهاز المراقبين الماليين يمارس رقابة وقائية سابقة على تنفيذ الالتزامات المالية، بينما يمارس ديوان المحاسبة رقابة لاحقة تستهدف التحقق من سلامة التصرفات المالية بعد تنفيذها. إلا أن هذه المؤشرات تؤكد في الوقت نفسه أهمية الرقابة المسبقة في اكتشاف المخالفات قبل ترتيب آثارها المالية، وتبرز الحاجة إلى تكامل أكبر بين مختلف أدوات الرقابة، بما يحقق حماية أكثر فاعلية للمال العام.
دليل إجرائي موحد للتعامل مع القرارات التي تتداخل فيها الجوانب الإدارية والمالية
الرسالة الرئيسة للدراسة
لا تدعو هذه الدراسة إلى توسيع اختصاص جهاز رقابي على حساب جهاز آخر، ولا ترى أن الحل يكمن في إنشاء أجهزة جديدة أو مضاعفة مستويات الرقابة، إنما تنطلق من مبدأ أكثر عمقا، وهو أن فاعلية الرقابة تقاس بمدى تكاملها، لا بعدد الجهات التي تمارسها.
فالقرار الوظيفي الذي يترتب عليه أثر مالي لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية مالية فقط، كما لا يكفي أن يُراجع من زاوية إدارية مجردة. بل إن الطبيعة المركبة لهذه القرارات تستدعي وجود منظومة رقابية تتكامل فيها الاختصاصات، بحيث تعمل الأجهزة المختلفة وفق رؤية مشتركة تحقق الغاية الأساسية، وهي حماية المال العام مع احترام الاستقلال الإداري للمؤسسات العامة.
وتؤكد الدراسة أن التكامل بين الأجهزة الرقابية لا يعني دمج اختصاصاتها أو إلغاء الحدود الفاصلة بينها، وإنما يعني وضوح الأدوار، وسهولة تبادل المعلومات، وتنسيق الإجراءات، بما يمنع التداخل أو الازدواجية أو وجود فجوات رقابية عند التعامل مع القرارات ذات الطبيعة المركبة.
رؤية لتطوير المنظومة الرقابية
استنادًا إلى ما انتهت إليه الدراسة، قدم الباحث عددًا من المقترحات التي تستهدف تطوير المنظومة الرقابية بما يواكب التطورات التي شهدها الجهاز الإداري للدولة، دون الإخلال بالاستقلال الذي تتمتع به المؤسسات ذات الميزانيات المستقلة.
ومن أبرز هذه المقترحات، إعادة النظر في نطاق رقابة شؤون التوظف، بما يسمح بامتدادها إلى المؤسسات ذات الميزانيات المستقلة وفق إطار تشريعي يراعي خصوصية هذه الجهات، ويكفل في الوقت ذاته خضوع القرارات الوظيفية ذات الأثر المالي لرقابة متخصصة ومتكاملة.
كما دعت الدراسة إلى وضع إطار مؤسسي يحدد آليات التنسيق بين الأجهزة الرقابية المختلفة، وإعداد دليل إجرائي موحد يوضح كيفية التعامل مع القرارات التي تتداخل فيها الجوانب الإدارية والمالية، إلى جانب تعزيز برامج التدريب المشترك للعاملين في الأجهزة الرقابية، بما يسهم في توحيد المفاهيم ورفع كفاءة الأداء الرقابي.
خطوة مهمة لترسيخ الحوكمة والشفافية ورفع كفاءة الإنفاق العام
تخلص الدراسة إلى أن حماية المال العام لا تتحقق من خلال الرقابة على الإنفاق بعد وقوعه فحسب، إنما تبدأ منذ اللحظة التي يُتخذ فيها القرار الإداري المنشئ للالتزام المالي. لذلك فإن تطوير منظومة الرقابة في دولة الكويت لا يقتضي إعادة بناء المؤسسات الرقابية، بقدر ما يتطلب استكمال البناء التشريعي والتنظيمي الذي يحكم العلاقة بين هذه المؤسسات، بما يحقق مزيدا من التكامل والتنسيق في ممارسة اختصاصاتها.
وتؤكد الدراسة أن تعزيز التكامل بين الرقابة المالية ورقابة شؤون التوظف يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية والمساءلة، بما يسهم في حماية المال العام ودعم مسيرة الإصلاح الإداري في دولة الكويت.
















0 تعليق