الدوحة - قنا :
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام العالمي، مدفوعا بثورة رقمية غير مسبوقة وتزايد دور التقنيات الحديثة في إنتاج وتوزيع المحتوى، تبرز دولة قطر كلاعب فاعل في إعادة تشكيل مشهد الصناعات الإعلامية والإبداعية على المستويين الإقليمي والدولي، عبر "المدينة الإعلامية قطر" التي تمضي بخطى متسارعة نحو ترسيخ موقعها كمنصة متكاملة تجمع بين الإعلام والتكنولوجيا والإبداع، مستفيدة من بيئة أعمال مرنة وحوافز استثمارية نوعية، إلى جانب بنية تحتية رقمية متطورة تواكب أحدث الاتجاهات العالمية.
ويأتي هذا الحضور المتنامي مدعوما برؤية استراتيجية تستهدف بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار، وتعزيز مكانة الدولة كمركز إقليمي لمختلف أنواع الصناعات المستقبلية في مجالات الإنتاج الإعلامي والتميز والإبداع.
وفي ذات السياق، فقد أسهمت هذه المقومات في استقطاب العديد من الشركات من مختلف أنحاء العالم، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في السوق القطرية وقدرتها على توفير بيئة حاضنة للنمو والابتكار، ويأتي إعلان المدينة الإعلامية من خلال أحدث بيان لها، عن تجاوز عدد الشركات المرخصة لديها 500 شركة منذ مطلع عام 2026، بمعدل نمو قياسي بلغ 60 بالمئة، وبزيادة تصل إلى خمسة أضعاف مقارنة بعام 2024، ليشكل ذلك مؤشرا واضحا على تسارع وتيرة النمو في قطاعي الإعلام والصناعات الإبداعية المتنوعة، وعلى نجاح السياسات الهادفة إلى دعم هذا القطاع الحيوي وتعزيز قدرته التنافسية.
ويعكس هذا التوسع اللافت زخما متناميا في قطاعي الإعلام والصناعات الإبداعية، في ظل بيئة أعمال مرنة ومتكاملة أسهمت في استقطاب العديد من الشركات المحلية والعالمية، حيث اختارت العديد من المؤسسات الدولية الدوحة مقرا لعملياتها الإقليمية، ما يعزز من مكانة الدولة كوجهة جاذبة للاستثمار الإعلامي والتقني.
وبحسب بيانات /المدينة الإعلامية قطر/، فإن مجالات عمل الشركات المرخصة داخل المدينة الإعلامية، تتنوع لتشمل قطاعات حيوية تشهد نموا متسارعا، من بينها الألعاب الإلكترونية، والمحتوى الرقمي التفاعلي، والإنتاج المرئي والإذاعي والموسيقي، إلى جانب التقنيات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلا عن وكالات الإعلام وخدمات الدعم الفني والإبداعي، وهو ما يعكس تنوعا في منظومة الاقتصاد الإبداعي.
ووفقا لمؤشرات المدينة، فإن هذا النمو يشير إلى تحول نوعي في طبيعة الاستثمار الإعلامي، حيث باتت الابتكارات الرقمية والتقنيات الحديثة في صدارة المشهد، مدفوعة بالطلب المتزايد على المحتوى الرقمي وتوسع الأسواق العالمية، الأمر الذي يعزز من فرص الشركات الناشئة التي تمثل نحو 60 بالمئة من إجمالي الشركات المرخصة، في تأكيد على حيوية البيئة الريادية داخل المدينة.
إلى ذلك، فإن الحضور الدولي القوي بالمدينة، حيث تمثل الشركات القادمة من خارج منطقة الشرق الأوسط نحو 70 بالمئة، يعكس نجاح السياسات المنفتحة التي تتبناها المدينة الإعلامية، والتي تقوم على استقطاب الكفاءات والاستثمارات العالمية، وتعزيز تبادل الخبرات، إلى جانب نقل المعرفة، كما أسهمت الحوافز التي توفرها المدينة الإعلامية، بما في ذلك إتاحة التملك الأجنبي بنسبة 100 بالمئة، والإعفاءات الضريبية والجمركية، وسهولة إجراءات الترخيص، في دعم نمو الشركات وتسريع توسعها، بما يواكب التطورات المتلاحقة في قطاع الإعلام العالمي.
ولا يقتصر تأثير هذا النمو على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل كذلك سوق العمل، حيث أسهم في توفير نحو 1250 فرصة عمل وفقا لما أبرزه بيان المدينة، ما يعزز من مساهمة القطاع الإبداعي في الاقتصاد الوطني بكوادر مؤهلة ومتخصصة، وذلك ما يدعم توجهات التنويع الاقتصادي تماشيا مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030.
وفي إطار تعزيز الحضور الإعلامي وتسليط الضوء على قصص النجاح، أطلقت المدينة الإعلامية سلسلة أفلام وثائقية قصيرة بعنوان "من خلف الكواليس"، تهدف إلى إبراز تجارب الشركات المرخصة، بعد أن كانت هذه المبادرة تقتصر في السابق على المقالات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس التوجه نحو إنتاج محتوى بصري يعكس تطور القطاع.
وحول قراءته للنمو الذي حققته /المدينة الإعلامية قطر/، قال الدكتور طالب العذبة الأستاذ بقسم الإعلام بجامعة قطر في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن إنجاز المدينة الإعلامية بوصولها أكثر من 500 شركة مرخصة أمر غير مسبوق في دولة قطر، ويعد هذا النجاح بوابة للانفتاح على العالم وتنوعه الإعلامي مما يجعل هذه المدينة القرية العالمية للإعلام، ومما لا شك فيه أن هذا النجاح والتعاون هو نقطة انطلاق، وهناك ما هو أفضل والدليل على ذلك استمرارية المدينة الإعلامية في حصد الجوائز الكبرى كجائزة جوجل للذكاء الاصطناعي وجوائز العلاقات العامة.
وأوضح الدكتور العذبة أن فتح المجال أمام الشركات الإعلامية الدولية كقوة اقتصادية يصب في تنويع مصادر الدخل للدولة وهذا يتوافق مع تحقيق النمو الاقتصادي، فدولة قطر أصبحت مركزا إعلاميا هاما في الشرق الأوسط، وذلك لخبرتها في إدارة النزاعات واستضافة الفعاليات الكبرى، كما أنها أيضا تتميز بإعلام محلي متنوع في خطه التحريري ومتعدد في اللغات والمضامين.
وأضاف: "كما أن دعم ودمج هذه الشركات في البيئة القطرية، يساهم في تحقيق النمو المعرفي وفتح آفاق الاقتصاد المعرفي الذي تركز عليه أيضا رؤية قطر الوطنية 2030".
وعلى الجانب الاقتصادي، وفيما يلي إسهام قطاع الإعلام والصناعات الإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر انطلاقا مما وفرته تجربة /المدينة الإعلامية قطر/، قال الدكتور العذبة: "كما نرى اليوم فإن المعلومة والتطور التكنولوجي أصبحا رافدا مهما للدول الكبرى فجميع الأفراد على مستوى العالم يستفيدون من التكنولوجيا وبرامجها بشكل يومي مما يفتح الحدود الجغرافية أمام الاستثمار بتكلفة أقل، وفي قطاع الإعلام والإبداع التكنولوجي وقعت المدينة الإعلامية قطر مع هذا العدد من الشركات لتحقيق الاستثمار الإعلامي وإدماج الإبداع والابتكار، وكلاهما عاملان يساهمان في إنتاج المعلومات والتقنيات القيمة ذات العوائد المستمرة للدولة.
وأوضح الدكتور طالب العذبة الأستاذ بقسم الإعلام بجامعة قطر أثناء حديثه لـ/قنا/، أن ما أحدثته تجربة المدينة يعد أثرا إيجابيا، من فتحها فرصا وظيفية جديدة ومجالات حديثة تنمي مهارات الأفراد في قطر، فهذه الوظائف تجمع ما بين وجودها في المجتمع القطري وصلتها بالعالم كشركات دولية مما ينتج موظفا محليا ذا خبرة ومعرفة دولية بسوق العمل والاستثمار الإعلامي، ويسهم هذا النوع من الوظائف في تنوع الفرص وفتح أبواب معرفية جديدة قد تحول الوظيفة إلى فرصة استثمار مبتكرة نظرا لتنوع بيئة المدينة الإعلامية من حيث الممارسات وخبرات الشركات العالمية المتخصصة.
ورأى الدكتور العذبة أن البيئة التشريعية بالمدينة الإعلامية قطر بالإضافة للمحفزات اللوجستية، يمثل الخطوات الأولى نحو مواكبة التطورات التكنولوجية والنمو المتسارع للإعلام الرقمي ومجالاته، وقد يكون امتلاك المدينة الإعلامية مستقبلا لتكنولوجيا وطنية تصدر المعلومات التي يعتمد عليها إلى العالم، أحد التحديات مثل منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي في أحدث نسخها، والسيرفرات السحابية الضخمة التي تحمل وتدير المعلومات الضخمة "big data" حول العالم.
وختم الدكتور طالب العذبة الأستاذ بقسم الإعلام بجامعة قطر تصريحاته لـ/قنا/ عن السيناريوهات المستقبلية لتطور المدينة الإعلامية قطر خلال السنوات الخمس القادمة، مشيرا إلى أن توجه الإعلام الحالي إلى صنع محتوى متخصص يصدر للعالم، كالمحتوى الإعلامي الذي تقدمه شبكة الجزيرة على المستوى الإخباري والرياضي لبي إن سبورت، وصولا لما قامت به قطر حديثا بإطلاق قناة QBC التي تهتم بالاقتصاد وتطمح بأن تكون ناشرا دوليا للاقتصاد، مما يساهم في تحسين صورة قطر وتقوية سمعتها الإعلامية الاقتصادية، وتوقع أن تركز المدينة الإعلامية قطر، على تنويع الاستثمار الإعلامي، الذي يخدم هذا المجال، وهو مسعى لدمج التقنيات الحديثة في الإنتاج الإعلامي، كما أشارت في تقريرها المنشور، بالإضافة إلى أن الجوائز المتخصصة التي حصدتها كجائزة جوجل تدلل على أن مشروعها مشروع مستقبلي يدمج الذكاء الاصطناعي ومميزاته في الإنتاج الإعلامي بثوب حديث.
ويرى مراقبون أن هذا النمو المتسارع يعزز من فرص تحول قطر إلى مركز إقليمي رائد في مجال الإعلام الرقمي والصناعات الإبداعية، خاصة في ظل الاستثمارات المستمرة في البنية التحتية الرقمية، وتبني سياسات داعمة للابتكار وريادة الأعمال، ومع استمرار هذا الزخم، تبدو المدينة الإعلامية قطر في موقع يؤهلها للعب دور محوري في تشكيل مستقبل الإعلام في المنطقة، من خلال توفير منصة متكاملة تجمع بين الابتكار والتكنولوجيا والإبداع، وتفت













0 تعليق