القانون الدولي وأمن الممرات البحرية: قراءة في أزمة مضيق هرمز

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القانون الدولي وأمن الممرات البحرية: قراءة في أزمة مضيق هرمز, اليوم الأحد 5 يوليو 2026 11:16 مساءً

لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق تعبرها السفن التجارية وناقلات النفط، بل أصبحت أحد أهم عناصر الأمن والسلم الدوليين، إذ يرتبط استقرار الاقتصاد العالمي باستقرار هذه الممرات بقدر ارتباطه بالإنتاج الصناعي أو الأسواق المالية. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الممرات، ليس بسبب موقعه الجغرافي فحسب، وإنما لكونه شريانا رئيسيا يربط منطقة الخليج العربي بالأسواق العالمية. ولذلك، فإن أي توتر يطرأ عليه لا ينظر إليه بوصفه خلافا بين دولتين، بل باعتباره أزمة ذات أبعاد قانونية وسياسية واقتصادية تتجاوز حدود الإقليم. ومع التطورات الأخيرة التي صاحبت المفاوضات الأمريكية الإيرانية والوساطة القطرية، عاد السؤال القانوني إلى الواجهة: هل يظل أمن مضيق هرمز خاضعا لاعتبارات السيادة الوطنية، أم أن القانون الدولي يفرض نظاما قانونيا يحد من سلطة الدول المشاطئة؟

ولفهم هذه الإشكالية، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية. فمنذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وما عرف بـ«حرب الناقلات»، أصبح المضيق ساحة لتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية. ثم تعمقت الأزمة مع تصاعد الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، وفرض العقوبات الاقتصادية، وما تبع ذلك من تهديدات متكررة بإغلاق المضيق أو تقييد الملاحة فيه. أما اليوم، فقد أعادت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وما رافقها من جهود دبلوماسية، قضية المضيق إلى دائرة الاهتمام الدولي، ليس بوصفها قضية عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها عنصرا مؤثرا في استقرار التجارة والطاقة العالميتين.

ومن الناحية القانونية، فإن الإطار الحاكم لهذه المسألة يتمثل في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي نظمت النظام القانوني للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية. فقد قررت المادة (37) خضوع هذه المضائق لنظام خاص، بينما نصت المادة (38) على حق السفن والطائرات في «المرور العابر» بوصفه مرورا مستمرا وسريعا لا يجوز تعطيله دون مسوغ قانوني. كما أوجبت المادة (44) على الدول المشاطئة عدم عرقلة هذا المرور أو تعليق ممارسته.

ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لا يخلو من تعقيد؛ إذ تتمسك إيران بسيادتها على مياهها الإقليمية، كما أنها وقعت على اتفاقية قانون البحار دون أن تتم إجراءات التصديق عليها، الأمر الذي أوجد نقاشا فقهيا حول مدى انطباق بعض أحكامها عليها من الناحية التعاهدية. غير أن جانبا معتبرا من الفقه الدولي يرى أن قواعد المرور العابر في المضائق الدولية اكتسبت، إلى حد بعيد، صفة العرف الدولي، بما يجعلها مرجعا في تنظيم الملاحة حتى خارج الإطار التعاهدي. ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص القانونية، وإنما في كيفية التوفيق بين مبدأ سيادة الدولة الساحلية وبين مصلحة المجتمع الدولي في استمرار الملاحة دون انقطاع.

أما سياسيا، فإن المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأخيرة لا تبدو أنها تستهدف تعديل الوضع القانوني للمضيق، وإنما تخفيض مستوى التوتر الذي قد يهدد أمنه. كما أن الوساطة القطرية تعكس تطبيقا عمليا للوسائل السلمية لتسوية المنازعات المنصوص عليها في المادة (33) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تدعو إلى حل النزاعات بالمفاوضات والوساطة وغيرها من الوسائل قبل الانزلاق إلى استخدام القوة. ومن ثم، فإن نجاح هذه الجهود لا يقتصر أثره على العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل يمتد إلى حماية أمن الطاقة العالمي، واستقرار أسواق النفط، وتعزيز الثقة في سلامة سلاسل الإمداد الدولية.

ختاما: فإن أزمة مضيق هرمز تكشف بوضوح أن الجغرافيا قد تمنح الدول نفوذا استراتيجيا، إلا أن القانون الدولي يرسم الحدود التي ينبغي أن يمارس هذا النفوذ في إطارها. ولذلك، فإن مستقبل هذا الممر البحري لن يتحدد فقط بموازين القوة أو بنتائج المفاوضات السياسية، وإنما بمدى احترام قواعد القانون الدولي التي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حقوق الدول الساحلية، وحرية الملاحة، ومتطلبات الأمن والاستقرار الدوليين.

أخبار ذات صلة

0 تعليق