موسوعة شدا وبناء المعرفة المحلية

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
موسوعة شدا وبناء المعرفة المحلية, اليوم الأحد 5 يوليو 2026 11:16 مساءً

قبل أيام صدر خبر إطلاق موسوعة شدا، فأعاد إلى ذاكرتي موسوعة الأدب الشفهي والطب الشعبي في منطقة الباحة التي سبقتها بسنوات، ولم أستحضر العملين لأنهما يوثقان المكان نفسه، وإنما لأنهما يكشفان عن معنى أعمق؛ فكل موسوعة من هذا النوع ليست كتابا جديدا يضاف إلى المكتبة، بل خطوة في بناء المعرفة المحلية، ومحاولة لإنقاذ جزء من ذاكرة المجتمع من أن يتوارى مع الزمن، وبين هذين العملين وجدت نفسي أمام سؤال بدا أكبر من الموسوعتين معا: من يبني المعرفة المحلية؟ وهل تبقى مسؤولية المبادرات الثقافية وحدها، أم أنها تستحق أن تتحول إلى مشروع علمي تتكامل فيه الجامعات مع المؤسسات الثقافية والباحثين؟

ولعل أول ما يفرض نفسه هنا هو كلمة إنصاف؛ فهذه الأعمال لا تنجز بالحماس وحده، وإنما تحتاج إلى رؤية وصبر وإيمان بقيمة المكان، ومن حق القائمين على موسوعة شدا أن يشكروا على ما بذلوه من جهد، كما يشكر الشيخ سعيد العنقري على دعمه لهذا المشروع المعرفي، ومن حق فريق موسوعة الأدب الشفهي والطب الشعبي أيضا أن يذكر بوصفه واحدا من الجهود التي حفظت جانبا مهما من الذاكرة الثقافية لمنطقة الباحة، فمثل هذه الأعمال لا تخدم منطقة بعينها، وإنما تضيف إلى الرصيد الثقافي الوطني كله.

لكن التوقف عند حدود الإشادة يختزل قيمة هذه المشروعات؛ لأنها في الحقيقة لا تقدم إجابات بقدر ما تطرح أسئلة جديدة، فكل وثيقة تجمع تفتح بابا لبحث آخر، وكل رواية شفهية تحمل خلفها تاريخا اجتماعيا، وكل اسم موضع يقود إلى قصة، وكل لهجة تختزل تحولات ثقافية، وهذا يعني أن التوثيق ليس نهاية المعرفة، وإنما مادتها الأولى، أما المعرفة بمعناها العلمي فتبدأ حين تخضع هذه المادة للقراءة والتحليل والمقارنة وإعادة التفسير.

ولهذا لا تنظر جامعات كثيرة في العالم إلى البيئة التي تنتمي إليها على أنها مجرد عنوان بريدي فقط، بل إنها حقل دائم للبحث، ففي جامعة أكسفورد مثلا، يمتد الاهتمام بتاريخ المجتمع المحلي إلى برامج بحثية متخصصة في التاريخ المحلي الإنجليزي، كما تطورت دراسات المناطق في اليابان عبر مؤسسات أكاديمية وبحثية متعددة، انطلاقا من قناعة مفادها أن فهم المجتمع يبدأ من فهم المكان الذي تشكل فيه، وأن دراسة المدن والقرى واللهجات وأنماط الحياة ليست شأنا محليا ضيقا، بل مدخل لفهم التاريخ والثقافة والتحولات الاجتماعية.

ومن هنا فالسؤال لا يجب أن يكون: أين الجامعة؟ بقدر ما يكون السؤال: ماذا تستطيع الجامعة أن تضيف؟ فالمطلوب ليس أن تبدأ من الصفر، أو أن تحل محل المبادرات الثقافية في أدوارها، وإنما أن تبني على ما أنجز؛ فتحول هذه الموسوعات إلى موضوعات للرسائل الجامعية، وإلى مشروعات بحثية متعددة التخصصات، يلتقي فيها المؤرخ مع اللغوي، والأنثروبولوجي مع الجغرافي، وعالم الاجتماع مع الباحث في التراث، فتتسع دائرة المعرفة عاما بعد عام، ويتحول التوثيق إلى إنتاج علمي متراكم.

وأحسب أن هذا هو المعنى الأجمل الذي تمنحه لنا موسوعة شدا؛ فهي لا تدعونا إلى قراءة جبل أو قرية أو منطقة فحسب، وإنما تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بأمكنتنا كلها، فكل مكان في هذا الوطن يحمل مادة علمية تستحق الدراسة، وكل مجتمع محلي يختزل خبرة إنسانية جديرة بالبحث، وكل مشروع توثيقي ناجح يطرح سؤالا أكبر من نفسه: كيف نجعل المعرفة المحلية جزءا أصيلا من الرسالة العلمية للجامعة؟ وحين نجد الإجابة عن هذا السؤال، لن تكون موسوعة شدا نهاية قصة، بل بداية مشروع معرفي يمتد إلى كل مكان في وطننا الممتد.

أخبار ذات صلة

0 تعليق