محليات
32

❖ رام الله - محمـد الرنتيسي
- الفقيد أول من كسر الحصار وساند أهل غزة حين خذلها الكثيرون
- كان أول زعيم خليجي يزور الأراضي الفلسطينية ويلتقي
- عرفات رأينا من سموه ما "يجبر الخاطر" في كل الملمّات
حجم عبارات النعي التي تدفقت كما السيل المنهمر، في وداع فقيد الأمة الكبير، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يؤشر بوضوح الى مدى انحياز الفلسطينيين باتجاه مآثر راسخة وخالدة لنصيرهم، الذي يُسجل له أنه واحد من أولئك الذين رسموا فيضاً واسعاً من الابتسامات على ثغورهم، في أشد الظروف حلكة.
ترجّل نصير الفلسطينيين عن صهوة همّته العالية، تاركاً خلفه إرثاً عظيم الشأن والمنزلة والقيمة والاعتبار لكل فلسطيني، فحالة الإلتفاف الشعبي والرسمي التي تم التعبير عنها بعبارات النعي، هي جزء أصيل من قيم وعادات وتقاليد وموروث أبناء فلسطين، الذين لم يعددوا مناقبه عند الغياب فقط، بل ظلت تحمل في ثناياها ترسيخ وتعزيز الأواصر والوشائج وتمتين اللحمة مع أول من كسر الحصار عنهم، وتحت سمع وبصر جيش الاحتلال الغادر، الذي ما انفك يطارد الفلسطينيين ويلاحقهم، مستخدماً أشرس وأكثر الأسلحة فتكاً وتغولاً. الحديث عن مسيرة الأمير الوالد، يطول ويتشعب ويتسع نطاقه، فبصماته عند الفلسطينيين يلمسها كل متابع، في الشق المتعلق بالدعم السياسي، كان صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يرحمه الله، يتحدث عن فلسطين وهمومها وقضاياها في المحافل والمنابر الدولية، أكثر مما يتحدث عن قطر.
إرث الأمير الوالد، لا يتوقف عند دوره في المواقف السياسية الداعمة والمساندة، إذ كان عنصراً مؤثراً في إعمار غزة كلما نالت منها آلة الدمار الإسرائيلية، وصاحب بصر وبصيرة مستنيرة، عززها بزيارة قطاع غزة كأول رئيس دولة عربي، يفك الحصار عنها.
كان يستشعر حاجة أهل غزة إلى آفاق أرحب من مجرد موقف سياسي، فكانت مدينة حمد السكنية، خير متنفس للمشردين الذين هدم الاحتلال بيوتهم، وكان مستشفى حمد للأطراف الصناعية، خير بلسم لجراح الغزيين، وبهجة صافية ترتسم على صفحات وجوههم، وهكذا ظلت سيرته العطرة وخصاله النبيلة حاضرة ومحفورة في الوجدان وفي القلوب، ولم تتوار معه، كما ظلت مشاريعه في فلسطين شامخة وعنيدة، وترفض الرحيل.. كأنها وجدت لتبقى شاهدة على مآثره، وإن بدت مكللة بالدموع على رحيله.

- دعم فلسطين أولوية
كان سمو الامير الراحل أول زعيم خليجي يزور الأراضي الفلسطينية ويلتقي الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في غزة وذلك أغسطس 1999، حيث بحث الزعيمان العلاقات الثنائية وعملية السلام.
ولم يقتصر دعم الأمير الراحل على المشاريع الإغاثية، فحظيت القضية الفلسطينية بحظ وافر من خطاباته في المنابر الدولية والقمم العربية والإسلامية، وعلى امتداد سنوات حكمه، ظل على الدوام يُذكّر العرب والمسلمين، بأن فلسطين هي القضية المركزية للأمة.
ومع رحيله، يستذكر الفلسطينيون مواقف لن تقترب منها معاول النسيان، فهو الذي ساند أهل غزة منذ أول الحروب الإسرائيلية عليها أواخر العام 2008، في وقت خذلها وتخلى عنها كثيرون.
ولم ينقطع الراحل الكبير، عن دعم غزة، فوقف إلى جانب أهلها في أشد لحظات حصارهم، واحتضن جرحاها وأعاد تشييد المنازل لمشرديها، ولم يتخل عن واجبه الإنساني حتى ترجل عن مسرح الحياة. في الجانب الرسمي، نعته القيادة الفلسطينية في رام الله، فقال نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، إن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، كان رجلاً صاحب قيم ومبادئ إنسانية ووطنية في دعم فلسطين وشعبها وقضيتها. وفي غزة، نعت حركة "حماس" الراحل الكبير، مبينة أنه كان قائداً صاحب رؤية ومبادرة وقيم ومواقف إنسانية وعربية أصيلة، وجعل من دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه نهجاً ثابتاً ومسؤولية أخلاقية لا تتغير.
- كسر حصار غزة
سيظل تاريخ 23 أكتوبر 2012، راسخاً في أذهان الفلسطينيين، إذ يُحسب للأمير الوالد، أنه أول رئيس عربي زار غزة، في ذلك اليوم، في خطوة اعتبرها مراقبون بأنها كسراً للحصار المفروض على قطاع غزة، إذ أطلق في حينه مشاريع تنموية تجاوزت الـ400 مليون دولار، وشملت تشييد مدينة الشيخ حمد السكنية، وشق طرق رئيسية، وتمويل مشاريع عدة على مستوى البنية التحتية والخدماتية.
وحملت زيارة صاحب السمو الأمير الوالد في طياتها من الدلالات والمغازي ما هو كثير، ومثلما أن الشعب الفلسطيني، انشغل منذ العام 1948 في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وجيشه المدجج بالإرهاب والقتل، فإن الدبلوماسية التي اتخذ منها فقيد الأمة الكبير، نهجاً راسخاً، حققت إنجازات عظيمة، بل إن الإنجازات السياسية كانت الشطر الثاني والمُكمّل لما تحققه المقاومة الوطنية على الأرض، في معركة الوجود والحرية، التي يخوضها الشعب الفلسطيني، ضد همجية الاحتلال، المعززة باعتداءات وإرهاب المستوطنين.
وفق الكاتب والمحلل السياسي رائد عبد الله، فإن تلك الزيارة بما حددته من أهداف سياسية واضحة، وبما أبدعته من أساليب داعمة، تمكنت من فرض واقع جديد، في مسيرة الصراع العربي مع الاحتلال، وكانت واضحة في أساليبها المساندة، والتي استلهمتها من واقع السياسة القطرية في حب ودعم فلسطين.
بل إن تلك الزيارة باتت عنواناً عاماً لتسجيل "الأهداف" في مرمى الاحتلال، كما يقول عبد الله لـ"ء" مبيناً أن وجود شخصية بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في فلسطين، عزز في أذهان الفلسطينيين أن قضيتهم وكل ما يتعلق بها ويتفرع عنها من قضايا، ستبقى موضع إسناد ودعم من عمقها العربي، بحسبانه الأهم والأبقى.
- قيادة قمة غزة
ولم ينس أهل غزة، دعوة الأمير الوالد إلى عقد "قمة غزة" خلال العدوان الإسرائيلى الذي أطلق عليه "الرصاص المصبوب" أواخر العام 2008، في خطوة عّدها مراقبون في حينها، بأنها محاولة لكسر الصمت والجمود العربي. يقول الكاتب والمحلل السياسي محمـد التميمي لـ"الشرق": "الحقيقة الثابتة والتي يدركها القاصي والداني، أن موقف الأمير الراحل آنذاك لم ينفك عن توظيف كل الجهود العربية لصد الاحتلال وأطماعه التوسعية، وترسيخ عدوانه على غزة في أول الحروب الطاحنة عليها، فكانت دعوته لعقد قمة غزة، للوقوف على ممارسات الاحتلال عن كثب، وفضح إجراءاته التي تقطر سواداً، وهذا ما تجلى في حالة السعار التي أصابت الكيان الإسرائيلي لإفشالها".
- رعاية المصالحة الفلسطينية
كان صاحب السمو، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يدرك أن الإنقسام الفلسطيني له كبير الضرر على القضية الفلسطينية، وأن الفلسطينيين في معركتهم ضد الاحتلال لن ينتصروا ما لم يكونوا موحدين، وخلال زيارته التاريخية إلى قطاع غزة، دعا لإنهاء الإنقسام، هذا الخنجر المطعون به الشعب الفلسطيني. وفي سبيل ذلك، احتضن صاحب السمو، حوارات المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وظل ثابتاً على موقفه، بعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر، ودائم التأكيد بأن سعيه لرأب الصدع الفلسطيني الداخلي، لا يخرج عن المسؤولية التاريخية في حماية المشروع الوطني الفلسطيني.
وتوّجت جهود الأمير الوالد في حينه، بتوقيع "إعلان الدوحة" في فبراير 2012، في واحد من أبرز محاولات إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني، واستعادة الوحدة الوطنية.
- مدينة حمد السكنية.. واجهة حضارية
ظلت مدينة حمد السكنية منذ تشييدها عام 2012 واجهة حضارية في قطاع غزة، ولا ينسى الفلسطينيون، ما أقدم عليه صاحب السمو الأمير الراحل، عندما لبى نداء الواجب الإنساني، وسارع إلى بناء مدينة الشيخ حمد السكنية، على مساحة قدرت بنحو 126 دونماً، واشتملت على 53 برجاً سكنياً، تحتوى على ثلاثة آلاف وحدة سكنية، لإيواء المئات من العائلات التي كانت آنذاك تعيش تحت وابل من قذائف الاحتلال، وحمم صواريخه وأسلحته الثقيلة، ففقدت منازلها وعانت المعاناة والتشريد أشكالاً وألواناً.
وكانت مشاهد الأطفال الذين خرجوا مذعورين من غرف نومهم، والعائلات التي شردتها حرب العام 2008، كافية عند الأمير الوالد، لبناء تلك المدينة السكنية، معززاً في أذهان الغزيين، أن هناك أصواتا حرة وشجاعة في الوطن العربي، تتعاطف مع عذابات ومآسي الشعب الفلسطيني، وتصب غضبها وسخطها وحنقها على الاحتلال وممارساته، ومن بين تلك الأصوات، الصوت القطري الجريء، الذي سارع إلى تشييد هذه المدينة. وكان أن خلّد أبناء غزة اسم صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة، بإطلاقه على المدينة، تقديراً للمواقف القطرية الداعمة والمؤيدة لفلسطين وقضاياها، وانتصارها لغزة، وهي تتعرض لعدوان غاشم ودائم، في أفضل مكافأة قدمها الفلسطينيون لمن جسد أسمى فصول التعاطف والتعاضد مع الشعب الفلسطيني، الذي كان يتعرض لسلسلة من الاعتداءات الآثمة.
- مستشفى حمد ومآثر أخرى
كما ارتبط اسم الراحل الكبير الأمير الوالد، بمستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية، الذي شكّل بارقة أمل لآلاف الجرحى ومبتوري الأطراف، في مختلف الحروب التي تعاقبت على غزة، ما جعله أحد أبرز المراكز الطبية المتخصصة في فلسطين والمنطقة. ويستذكر المواطن محمود عاشور من قطاع غزة، مآثر الشيخ حمد بن خليفة طيب الله ثراه، فيقول: "كان صاحب السمو، يوصي أهل غزة دائماً بالصبر والثبات، مهما اشتدت عليهم خطوب المعاناة، ويبشرهم بأن النصر والفرج قريب، وكان يوصي الزعماء العرب بالقضية الفلسطينية خيراً".
وباح أحمد أبو الكاس: "كل غزة وفلسطين حزنت على رحيله، وذرفت الدموع في وداعه، لا لشيء إلا لأنه احتل مكانة كبيرة في قلوب الفلسطينيين، ولأنه صاحب فضل وبصمات دامغة عليهم.. لقد فرض احترامه على كل أبناء فلسطين، ورأينا منه ما يجبر الخاطر، لقد شهدت له غزة ومن عليها بصلاح الأثر، ولا يمكن أن ننسى خصاله ومآثره".
- إعادة إعمار غزة
في زحمة الحروب، ظل صاحب السمو، الأمير الوالد حمد بن خليفة رحمه الله، من أكبر الداعمين والمساندين، وفي كل مرة كان القصف الوحشي العنيف على قطاع غزة يخلّف دماراً هائلاً، وأرقاماً مرعبة عن أنقاض المباني المهدمة، كان الراحل الكبير، يتصدر مسرح البناء وإعادة الإعمار. وكان أن أنشأت دولة قطر في أعقاب زيارة الأمير الوالد إلى قطاع غزة عام 2012 "اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة" لتتولى تنفيذ عشرات المشاريع الحيوية داخل القطاع.
وشملت المشاريع إنشاء مدينة الشيخ حمد السكنية التي تضم أكثر من ألف وحدة سكنية، وإعادة تأهيل شارعي صلاح الدين والرشيد، وبناء قصر العدل، إلى جانب إنشاء مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، الذي يعد الأكبر من نوعه في القطاع.
- مكارم راسخة
ولا ينسى الفلسطينيون، المآثر الراسخة في وجدانهم، التي جسدها الأمير الوالد، إذ بمكارمه وبترسم خطاه، لبت الدوحة نداء الواجب الإنساني في كل الملمات التي حلت بالشعب الفلسطيني وفي مقدمتها الحروب التي شنها الاحتلال على قطاع غزة في سنوات متعاقبة، ما عزز في أذهانهم أن هناك من يصطف إلى جانبهم، ويمسح عنهم عذابات ومآسي الاحتلال، وما يتفرع عنه من كوارث إنسانية، ويبرز في مقدمتها التشريد والنزوح.
وما أن تضع الحرب أوزارها، حتى يغنم الفلسطينيون دعماً قطرياً لا ينضب، وضع الأمير الراحل حجر الأساس، وينظرون إليه كذخيرة حية، تعينهم على الصمود في معركتهم الطويلة للانعتاق من قبضة الاحتلال الغاشم.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية


















0 تعليق